سعيد حوي
1495
الأساس في التفسير
بالخبر الصحيح على خيانتهما ، فليقم اثنان من الورثة المستحقّين للتركة - وليكونا من أول من يرث ذلك المال - فيقسمان باللّه : إن قولنا : إنهما خانا أحق وأصح وأثبت من شهادتهما المتقدمة ، وما اعتدينا فيما قلنا فيهما من الخيانة ، وإن كنا قد كذبنا عليهما فإنّا إذا لمن الظالمين . ثمّ بيّن اللّه - عزّ وجل - حكمة هذا الحكم الأخير وهي أنّ ذلك أقرب أن يقيم الشاهدان الأصليّان الشهادة على الوجه الأصلي ؛ فيحملهما على الإتيان بها على وجهها تعظيم الحلف باللّه ، ومراعاة جانبه ، وإجلاله ، والخوف من الفضيحة بين الناس ، إن ردّت اليمين على الورثة فيحلفون ويستحقون ما يدّعون ، ثمّ ختم اللّه هذا بالأمر بتقواه ، والأمر بالسمع والطاعة له ، مبيّنا أنه لا يهدي القوم الفاسقين أي : الخارجين عن طاعته والمتابعة لشريعته . وختم هذا المقطع كله بقوله تعالى وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ يذكّر بقوله تعالى : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ من آيتي سورة البقرة اللتين قلنا عنهما : إنهما محور سورة المائدة ضمن السّياق القرآني العام ، ولا شك أن هذا المقطع قد بين جوانب من الفساد في الأرض ، كتحريم الحلال ، والاعتداء ، وكالخمر ، والميسر ، والأنصاب ، والأزلام ، والصيد حالة الإحرام ، والسؤال في غير محله ، وتحريف الشهادة ، كما بيّن جوانب من الفسوق عن أمره لا يهدى معها أصحابها . ملاحظات حول السياق : رأينا أن هذا المقطع ابتدأ بالكلام عن الأيمان ، وانتهى بكلام عن نوع من الأيمان وهذا يشير إلى وحدة المقطع ، وقد رأينا في هذا المقطع قوله تعالى : ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وكنّا رأينا من قبل أن المقطع السابق على هذا المقطع قد ابتدأ بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ فذكر البلاغ في هذا المقطع يشير إلى أن هذا المقطع استمرار للمقطع السابق ، وهذا يؤكد ما قلناه من قبل إن القسم الثالث من سورة المائدة يتألف من مقطعين ، وأن القسم الثالث كله هو في أمور تدخل في باب البلاغ ، ومن هنا ندرك سرّ تعرّض السورة في أوائلها لبعض المعاني مجملة ، ثمّ تفصيلها في قسمها الأخير ، هناك جاءت في سياق ، وهاهنا تأتي في سياق ، هناك تأتي في سياق الأمر بالوفاء بالعقود ، وهاهنا تأتي في سياق الأمر بالبلاغ ، ونكرّر هنا ما قلناه من قبل من أنّ على الدّعاة إلى اللّه أن يلاحظوا إذن أهمية التركيز على تبليغ معاني القسم الثالث في مقطعيه ، مع ملاحظة أن المقطع الأوّل في جملته تركيز على معان يتوجّه فيها الخطاب لغير