سعيد حوي

1475

الأساس في التفسير

جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى : لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ * وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا . إن مجىء آية وَحَسِبُوا بعد الآية السابقة عليها يشعر أن هؤلاء اليهود كانوا يرتكبون ما يرتكبون مع ظنّهم ألا تقع فتنة ، وبذلك وصلوا إلى حالة العمى عن الحق والصمم عن كلّ موعظة ، فجاءتهم الفتنة بأن سلّط اللّه عليهم بخت‌نصّر فقهرهم وأخذهم أسارى إلى بابل في غاية الذّلّ والمهانة حتى رحمهم اللّه - عزّ وجل - فأنقذهم بعد ذلك وهو قوله تعالى : ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولكنهم بعد ذلك عادوا إلى العمى والصّمم ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ فسلّط اللّه عليهم من سلّط وسيسلط إلى قيام السّاعة ، هذا توجيه بعضهم للآية . وإن أمّتنا فيما يبدو تقع أحيانا فيما وقعت فيه يهود ، فيفعلون ما يفعلون حسبانا منهم أنهم لن يسلط عليهم أحد ، ويستغرقون في الانحراف ، حتى تأتيهم الضربة ، وما أكثر ما أصبنا بضربات وما أكثر الغفلة والعمى والصّمم . نقل وتعليق : بمناسبة قوله تعالى : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قال صاحب الظلال : إنّ كلّ النّصوص القرآنية والنّبوية التي ورد فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانت تتحدث عن واجب المسلم في مجتمع مسلم ، مجتمع يعترف ابتداء بسلطان اللّه ، ويتحاكم إلى شريعته مهما وجد فيه من طغيان الحكم ، في بعض الأحيان ، ومن شيوع الإثم في بعض الأحيان ، وهكذا نجد في قول الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم « أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر » فهو إمام ولا يكون إماما حتى يعترف ابتداء بسلطان اللّه وبتحكيم شريعته ، فالذي لا يحكّم شريعة اللّه لا يقال له « إمام » إنما يقول اللّه عنه سبحانه وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ . فأما المجتمعات الجاهلية التي لا تتحاكم إلى شريعة اللّه ، فالمنكر الأكبر فيها والأهمّ ، هو المنكر الكبير الأساسي الجذري ، هو الذي يجب أن يتجه إليه الإنكار ، قبل الدّخول في المنكرات الجزئية ، التي هي تبع لهذا المنكر الأكبر ، وفرع عنه وعرض له . إنه لا جدوى من ضياع الجهد جهد الخيرين الصالحين من الناس . . في مقاومة المنكرات الجزئية ، الناشئة بطبيعتها من المنكر الأول ، منكر الجرأة على اللّه وادّعاء خصائص الألوهية ، ورفض ألوهية اللّه يرفض شريعته للحياة ، لا جدوى من ضياع الجهد في مقاومة منكرات هي مقتضيات ذلك