سعيد حوي

1415

الأساس في التفسير

فصل في الجاهلية : عند قوله تعالى : أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ؟ يقول صاحب الظلال : « إنّ معنى الجاهلية يتحدد بهذا النص فالجاهلية - كما يصفها اللّه ويحددها قرآنه - هي حكم البشر للبشر ، لأنها هي عبودية البشر للبشر ، والخروج من عبودية اللّه ، ورفض ألوهية اللّه ، والاعتراف في مقابل هذا الرفض بألوهية بعض البشر وبالعبودية لهم من دون اللّه . . إن الجاهلية - في ضوء هذا النص - ليست فترة من الزمان ؛ ولكنها وضع من الأوضاع . هذا الوضع يوجد بالأمس ، ويوجد اليوم ، ويوجد غدا ، فيأخذ صفة الجاهلية ، المقابلة للإسلام ، والمناقضة للإسلام . والناس - في أي زمان وفي أي مكان - إما أنهم يحكمون بشريعة اللّه - دون فتنة عن بعض منها - ويقبلونها ويسلّمون بها تسليما ، فهم إذن في دين اللّه . وإما أنهم يحكمون بشريعة من صنع البشر - في أي صورة من الصور - ويقبلونها فهم إذن في جاهلية ؛ وهم في دين من يحكمون بشريعته ، وليسوا بحال في دين اللّه . والذي لا يبتغي حكم اللّه يبتغي حكم الجاهلية ؛ والذي يرفض شريعة اللّه يقبل شريعة الجاهلية ، ويعيش في الجاهلية . وهذا مفرق الطريق ، يقف اللّه الناس عليه . وهم بعد ذلك بالخيار ! ثم يسألهم سؤال استنكار لابتغائهم حكم الجاهلية ؛ وسؤال تقرير لأفضلية حكم اللّه . وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ . . وأجل ! فمن أحسن من اللّه حكما ؟ ومن ذا الذي يجرؤ على ادّعاء أنه يشرّع للناس ، ويحكم فيهم ، خيرا مما يشرع اللّه لهم ويحكم فيهم ؟ وأية حجة يملك أن يسوقها بين يدي هذا الادّعاء العريض ؟ أيستطيع أن يقول : إنه أعلم بالناس من خالق الناس ؟ أيستطيع أن يقول : إنه أرحم بالناس من رب الناس ؟ أيستطيع أن يقول : إنه أعرف بمصالح الناس من إله الناس ؟ أيستطيع أن يقول : إن اللّه - سبحانه - وهو يشرع شريعته الأخيرة ، ويرسل رسوله الأخير ؛ ويجعل رسوله خاتم النبيين ، ويجعل رسالته خاتمة الرسالات ، ويجعل شريعته شريعة الأبد . . كان - سبحانه - يجهل أن أحوالا ستطرأ ، وأن حاجات ستجدّ ، وأن ملابسات ستقع ؛ فلم يحسب حسابها في شريعته لأنها كانت خافية عليه ، حتى انكشفت للناس في آخر الزمان ؟ ! ما الذي يستطيع أن يقوله من ينحّي شريعة اللّه عن حكم الحياة ، ويستبدل بها