سعيد حوي

585

الأساس في التفسير

فوائد : 1 - أثبت الله عزّ وجل في الآية الأخيرة تفاضل الأنبياء . فما الجمع بين هذه الآية والحديث الثابت في الصحيحين عن أبي هريرة قال : « استب رجل من المسلمين ، ورجل من اليهود ، فقال اليهودي في قسم يقسمه : لا والذي اصطفى موسى على العالمين . فرفع المسلم يده ، فلطم بها وجه اليهودي فقال : أي خبيث . وعلى محمد صلى الله عليه وسلم . فجاء اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فاشتكى على المسلم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تفضلوني على الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق ، فأجد موسى باطشا بقائمة العرش . فلا أدري أفاق قبلي ، أم جوزي بصعقة الطور ؟ . فلا تفضلوني على الأنبياء » . وفي رواية : « لا تفاضلوا بين الأنبياء » . قال ابن كثير : ( فالجواب من وجوه . أحدها : أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل . وفي هذا نظر . . الثاني : أن هذا ما قاله من باب الهضم والتواضع . الثالث : أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر . الرابع : لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية . الخامس : ليس مقام التفضيل إليكم . وإنما هو إلى الله عزّ وجل . وعليكم الانقياد ، والتسليم له ، والإيمان به ) . 2 - إن أوسع المخلوقات مشيئة هو الإنسان . ومع ذلك فإن مشيئته مقيدة بعالم الأسباب ، فهو لا يستطيع ألا يتنفس ؛ وهو مقيد بقوانين هذا العالم ؛ ومشيئته لا تنفذ إلا ضمن استطاعته التي أعطاه الله إياها ، ومشيئته يمكن أن تعاكسها مشيئات الآخرين . والذات الإلهية منزهة عن هذا كله ، مشيئته تعالى غير مقيدة ، ومشيئته نافذة . ومشيئته لا يمكن أن تعاكسها مشيئات الآخرين ، وإن من يتصور غير هذا يكون قد شبه مشيئة الله بمشيئة خلقه . هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة ، أنه لا شئ إلا بمشيئة الله . وهذه الآية تشهد بما لا يقبل جدلا على صحة هذا المذهب ، ولكن كيف نجمع بين كون كل شئ بمشيئة الله وبين اختيار الإنسان . بين كون أفعال الإنسان بمشيئة الله ، ومع ذلك فالله يحاسبه عليها ؟ . والجواب أن عموم المشيئة لا يتعارض مع الاختيار فالقاعدة أن مشيئة الله على وفق علمه ، مع اعتقادنا أزلية العلم والمشيئة . والعلم كاشف ، لا مجبر . فالله عزّ وجل علم ، وأراد ، والعلم كاشف لا مجبر فكون الله عزّ وجل علم ما سيفعله فلان بمحض اختياره ، وأراده ، وأبرزه بقدرته ، فذلك شأنه ، ولا يسأل عما يفعل . ولا يعني هذا أنه أجبر . فالإنسان مختار ، يشهد على ذلك إرادته ،