سعيد حوي

413

الأساس في التفسير

صام الإنسان وأقام فرائض شهر الصوم ، وسننه ، فإنه يخرج بزاد من التقوى يحمله سنة . فالصلاة في أوقاتها ، والصوم في وقته ، والحج إذا أدي ، والإنفاق إذا كان ، كل ذلك زاد القلب المتكامل الذي من آثاره القيام بأمر الله في كل شئ والذي من ثمراته الاستقامة على أمر الله . ولنعد إلى التفسير : أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ أي : كتب عليكم أن تصوموا أياما مؤقتات بعدد معلوم . وهذا يفيد القلة فكأنه إشعار بسهولة ما كلفنا به فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ أي : فمن كان منكم يخاف من الصوم زيادة المرض ، أو بطء البرء ، أو يخاف المرض بسبب الصوم بغلبة الظن ، إما بإمارة ، أو تجربة ، ولو كانت من غير المريض عند اتحاد المرض ، أو بإخبار طبيب حاذق مسلم عدل ، أو مجهول الحال ، لم يظهر له فسق ولا عدالة . أو كان مسافرا سفرا شرعيا ، بأن يكون قاصدا موضعا يبعد عن بلده مسافة واحد وثمانين كيلومترا - على اجتهاد بعضهم - بشرط أن يكون قد أنشأ السفر قبل الفجر ، ليصح له أن يفطر اليوم الأول وذلك يقتضي أن يكون متلبسا بالسفر عند الفجر - على الرأي الأحوط - فأفطر فعليه صيام عدد أيام فطره . والعدة بمعنى : المعدوم . أي : أمر أن يصوم أياما معدودة بدل أيام مرضه وسفره . وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ في هذا النص اتجاهان رئيسيان ، الاتجاه الأول : أنه قبل : يُطِيقُونَهُ توجد ( لا ) مقدرة فصار المعنى : وعلى الذين لا يستطيعونه ، كالشيخ الفاني الذي فنيت قوته ، وعجز عن الأداء وهو في تناقص إلى أن يموت ، والعاجز عن الصوم عجزا مستمرا ، والمريض اليائس من الصحة ، فهؤلاء يفطرون وعليهم فدية وجوبا إطعام مسكين يوما عن كل يوم . أو أن يدفع إليه نصف صاع من بر ، أو صاعا من غيره عن كل يوم ، أو ثمنه . والصاع حوالي أربعة كيلوغرام في أول تقدير الحنفية . في أول الشهر أو أوسطه أو آخره ، أو بعد ذلك . وعلى هذا الاتجاه ، فهذا النص غير منسوخ . وأما الاتجاه الثاني في فهمه ، فكما قال معاذ : كان هذا في ابتداء الأمر . من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينا . قال النسفي : وكان ذلك في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه ، فاشتد عليهم ، فرخص لهم في الإفطار والفدية . ثم نسخ التخيير بقوله : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ . ولهذا كرر قوله : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ لأنه لما كان مذكورا مع المنسوخ ذكر مع الناسخ ليدل على بقاء هذا الحكم . قال ابن كثير : فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه بقوله : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ .