سعيد حوي

324

الأساس في التفسير

وهكذا نجد أن مقطع القبلة في فقراته الثلاث قد تكاملت المعاني فيه حتى وضع قضية القبلة في محلها في حياة هذه الأمة ، مبينا قيمة هذا التوجه الكريم إلى كعبة إبراهيم . 2 - يلاحظ أن مقطع ( إبراهيم ) عليه السلام قد وردت فيه دعوة إبراهيم لذريته وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وفي مقطع القبلة يمن الله على هذه الأمة أنه فعل ذلك . ويأتي ذلك في معرض الكلام عن اتخاذ كعبة إبراهيم قبلة : كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ . وفي ذلك من تكامل المقطعين وترابطهما ما فيه . 3 - جاء مقطع القبلة في سياق القسم المبدوء بقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ . . . فهو يعرفنا على قضية من قضايا العبادة . وهي التوجه إلى الله في العبادة ، التي هي عمود الإسلام لله رب العالمين . فمحل المقطع في سياق قسمه واضح المعالم . 4 - وكان مقطع القبلة استمرارا للحوار مع أهل الكتاب . وهو حوار فتح منذ مقطع بني إسرائيل ، واستمر في مقطع إبراهيم ، ولا يزال . 5 - إن المقطع اللاحق لمقطع القبلة مبدوء بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ . ومقطع القبلة له صلة بالصلاة . فصلة ذلك ببعضه ، وصلة ذلك بالعبادة ، وصلة ذلك كله بقضية التقوى التي جاءت مقدمة سورة البقرة ، لتقرر فيها الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ . . . . ثم صلة ذلك كله بقضية الهداية الربانية . وهي ما أوصلتنا إلى وجوبه قصة آدم . إن صلات ذلك كله ببعضه لا تخفى على المتأمل . وما يفوت كل متأمل على حدة من إدراك الصلات ، وما يفوت الجميع كثير كثير . 6 - يلاحظ أن مقطع القبلة سبق بمقطعين كانا بمثابة المقدمتين له . لقد رأينا كيف شوش أهل الكتاب على المسلمين في موضوع القبلة . فكان مقطع بني إسرائيل وما ذكر فيه بمثابة تفريغ للثقة أصلا بأهل الكتاب عامة ، وباليهود خاصة . فكان كالمقدمة الأولى لجعل هذا التشويش لا قيمة له . ثم جاء مقطع إبراهيم فكان استمرارا لعملية تحطيم الثقة ، وتمهيدا لقضية القبلة . فكان كالمقدمة الثانية . ثم جاء مقطع القبلة . فإذا تذكرنا هذا . وتذكرنا ما مر معنا من قبل ندرك درسا من دروس الحكمة