سعيد حوي

319

الأساس في التفسير

لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ . أطلق اسم الحجة على المعاندين لأنهم يسوقونه سياق الحجة . علمتنا الآية أن على المسلم أن يبطل حجج أعداء الله بمواقفه وسلوكه ، وقد أبطل الله عزّ وجل حججا كثيرة للكافرين على هذه الأمة بهذا التوجه إلى القبلة . إن كثيرا من الكافرين يريدون أن يبرهنوا على أن هذا الدين مأخوذ عن غيره ، بينما القاعدة الأساسية فيه هي التميز عن غيره ، والقبلة من مظاهر هذا التمييز . فلو بقيت القبلة إلى غير الكعبة لكان للكافرين في ذلك كلام . ومن الحجج التي بطلت بهذا التوجه ، حجة العرب في أنه كيف يكون على ملة إبراهيم ويتوجه إلى غير بيته ، ومن الحجج التي بطلت . زعم المشركين من العرب أن محمدا وأصحابه لا يعظمون الكعبة ، ومن الحجج التي بطلت . حجة أهل الكتاب أنه بالإمكان أن يتابع محمد أهل الكتاب ما دام تابعهم في بعض دينهم . فكان التوجه نحو الكعبة قطعا لطمع أهل الكتاب في متابعة هذه الأمة . إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ : الذين ظلموا هنا ، إما اليهود ، وإما قريش في ساعة نزول القرآن . وهي عامة في كل ظالم ، لأن الاستثناء من الناس . وكلمة الناس يدخل فيها الجميع . دلت الآية على أن المسلم لا ينبغي أن يبالي بالكلمة الظالمة ، ولا بحجة الظالم . ولكن عليه أن يبطل الحجج حتى لا ينخدع بها غير قائليها من الظلمة . وبالنسبة لموضوعنا إذا حملنا الآية على أن المراد بالظالمين اليهود ، فإنهم قالوا : ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه ، وحبا لبلده ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء عليهم السلام . وإذا حملنا الآية على أن المراد بالظالمين مشركو قريش إذ قالوا : بدا له فرجع إلى قبلة آبائه ويوشك أن يرجع إلى دينهم . مثل هذه الحجج لا ينبغي أن تلتفت إليها هذه الأمة التي تعلم أن الحق والخير هو في طاعتها لله في جميع أحوالها . فلا تخرج عن أمر الله طرفة عين إلى كلام الخارجين عن أمر الله . فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي . أي لا تخشوا شبه الظلمة المتعنتين . وأفردوا الخشية لي . فإنه تعالى هو أهل أن يخشى منه . فصار المعنى : لا تخشوا الظالمين ، فتخافوا مطاعنهم فإنهم لا يضرونكم . واخشوني ، فلا تخالفوا أمري . وهكذا شأن المسلم . إذا كان على الحق فإنه لا يبالي بأحد . وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ هذه معطوفة على قوله تعالى لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ فصار المعنى وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة ، ولأتم نعمتي عليكم . ومن أجل هدايتكم . وإتمام النعمة هنا بشرع استقبال الكعبة ، لتكمل الشريعة من جميع وجوهها . وتتميز هذه الأمة بشعائرها وشرائعها . وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ مما