سعيد حوي
306
الأساس في التفسير
التعبير عنها . يتم في الحس كما في النفس ، فتهدأ حينئذ وتستريح ، وتفرغ الشحنة الشعورية تفريغا كاملا ، وتحس بالتناسق بين الظاهر والباطن ، وتجد تلبية مريحة لجنوحها إلى الأسرار والمجاهيل . وجنوحها إلى الظواهر والأشكال في ذات الأوان . وعلى هذا الأساس الفطري أقام الإسلام شعائره التعبدية كلها . فهي لا تؤدى بمجرد النية ولا بمجرد التوجه الروحي . ولكن هذا التوجه يتخذ له شكلا ظاهرا : قياما واتجاها إلى القبلة ، وتكبيرا وقراءة وركوعا في الصلاة . وإحراما من مكان معين ولباسا معينا ، وحركة وسعيا ودعاء ، وتلبية ونحرا وحلقا في الحج . ونية وامتناعا عن الطعام والشراب والمباشرة في الصوم . . وهكذا في كل عبادة حركة ، وفي كل حركة عبادة ، ليؤلف بين النفس وباطنها ، وينسق بين طاقاتها ، ويستجيب للفطرة جملة بطريقة تتفق مع تصوره الخاص . . . ولم يكن بد من تمييز المكان الذي يتجه إليه المسلم بالصلاة والعبادة . وتخصيصه كي يتميز هو ويتخصص بتصوره ومنهجه واتجاهه . . فهذا التميز تلبية للشعور بالامتياز والتفرد . كما أنه بدوره ينشئ شعورا بالامتياز والتفرد . ومن هنا كذلك كان النهي عن التشبه بمن دون المسلمين في خصائصهم التي هي تعبير ظاهر عن مشاعر باطنة . كالنهي عن طريقهم في الشعور والسلوك سواء . ولم يكن هذا تعصبا ولا تمسكا بمجرد شكليات . وإنما كان نظرة أعمق إلى ما وراء الشكليات ، كان نظرة إلى البواعث الكامنة وراء الأشكال والظواهر . وهذه البواعث هي التي تفرق قوما عن قوم ، وعقلية عن عقلية ، وتصورا عن تصور ، وضميرا عن ضمير ، وخلقا عن خلق ، واتجاها في الحياة كلها عن اتجاه . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن اليهود والنصارى لا يصبغون ، فخالفوهم » . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خرج على جماعة فقاموا له : « لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضا » . وقال صلوات الله وسلامه عليه : « لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله » صلى الله عليه وسلم . فنهى عن تشبه في مظهر أو لباس . ونهى عن تشبه في حركة وسلوك ، ونهى عن تشبه في قول أو أدب . . لأن وراء هذا كله ذلك الشعور الباطن الذي يميز تصورا عن تصور ، ومنهجا في الحياة عن منهج ، وسمة للجماعة عن سمة . ثم هو نهي عن التلقي من