سعيد حوي
268
الأساس في التفسير
الناس من حولهم وهم آمنون ، واستدل الحنفية بهذه الآية على مذهبهم بأن الجاني إذا أوى الحرم فلا يتعرض له حتى يخرج ، لكنه يلجأ إلى الخروج بمقاطعته . وسنعقد لموضوع الأمن عند البيت وحدوده واتجاهات العلماء فصلا . ذكر في هذا النص : شرف هذا البيت ، وما جعله موصوفا به شرعا وقدرا من كونه مجمعا للناس من كل أقطار العالم ، يعرف فيه بعضهم بعضا ، ويألف فيه بعضهم بعضا ، ويستمع فيه بعضهم إلى بعض ، وينفع فيه بعضهم بعضا ، وهو كذلك ، المكان الذي تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه ، ولا تقضي منه وطرا ولو ترددت إليه كل عام ؛ استجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام . فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ( سورة إبراهيم ) كما وصفه تعالى بأنه جعله آمنا لمن دخله حتى الرجل في الجاهلية يلقى قاتل أخيه أو أبيه فلا يهيجه ، وقد فسر ابن عباس الأمن هنا بأن هذا البيت والقيام بحقه أمن لهذا العالم كله فلا يخرب ، قال ابن عباس : « لو لم يحج الناس هذا البيت لأطبق الله السماء على الأرض » قال ابن كثير : وما هذا الشرف إلا لشرف بانيه أولا وهو خليل الرحمن . وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى اختلف المفسرون في المراد بمقام إبراهيم ما هو : قال ابن عباس : « مقام إبراهيم الحرم كله ، مقام إبراهيم الحج كله » . وقال سعيد بن جبير : « الحجر مقام إبراهيم فقد جعله الله رحمة ، فكان يقوم عليه ويناوله إسماعيل الحجارة » وقال السدي : « المقام الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حتى غسلت رأسه » وهذا القول يلتقي مع الذي قبله في أن المراد بمقام إبراهيم هو الحجر الذي غاصت فيه قدما إبراهيم ، فكان آية ، وهو الحجر المعروف الآن ، والأدلة التي تعضد أن المراد بالمقام إنما هو الحجر الذي كان إبراهيم عليه السلام يقوم عليه لبناء البيت كثيرة ، من جملتها ، أنه هو الذي عليه عمل الناس وفهمهم خلال العصور ، إذ يطبقون هذا الأمر بصلاتهم عند الحجر الذي عليه آثار قدمي إبراهيم ، ومنها ما ورد في الحديث الصحيح عن عمر : « قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ، فنزلت وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ومنها ما في صحيح مسلم عن جابر قال : « استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) فجعل المقام بينه وبين البيت فصلى ركعتين » ومنها ظاهر قوله تعالى : فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وعلى هذا الاتجاه يكون المعنى : وقلنا اتخذوا من مقام إبراهيم موضع صلاة تصلون فيه .