سعيد حوي
203
الأساس في التفسير
الأوهام والتصورات الأساسية عند اليهود والنصارى من كون الشرائع السابقة لا يجوز نسخها ، ومن كون الجنة حكرا على هؤلاء مع انحرافهم عن الدين الحق ! ومن كون أهل كل باطل لا يرون غيرهم على شئ ! ، ومن ادعاء الولد لله ، ومن طلب سماع كلام الله واقتراح الآيات ، ومن كون بقايا أهل الكتاب كلهم على هوى ورغبة في أن يحملوا الناس على أهوائهم . وفي الفقرة توجيهات لهذه الأمة تساعدها على تحمل عبء الصراع مع الكفر وأهله ، وفيها موازين تعرف بها حقائق وكليات ، ويتضح في هذه الفقرة تماما أن هذا المقطع وإن كان في سياقه العام يدعو بني إسرائيل للصلاح والإصلاح ، ولكن الهدف الأول هو هذه الأمة ، وإصلاحها ، وتربيتها ، وتعليمها ، والارتقاء بها . إن هذه الفقرة مبدوءة ب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وهو الخطاب الأول بهذه الصيغة في القرآن ، فكأن ما قبله إنما كان من أجل وجود الشخصية المؤمنة ، حتى إذا وجدت الشخصية المؤمنة من خلال كل المعاني السابقة أصبحت مؤهلة للخطاب الخاص بها . ومن هنا فإننا نستنتج أن ما قبل هذا الخطاب ضروري في قضية الإيمان ، فالإيمان العملي الكامل غير الإيمان النظري الذي لا يواجه به صاحبه كل شئ حوله بعقلية المؤمن . ونتيجة لذلك فإننا نقول : إن هذه الفقرة من الأهمية في المكان الكبير على اعتبار أنها أول خطاب مباشر للمؤمنين بلفظ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فالمعاني الموجودة فيها والتوجيهات ذات أهمية خاصة : ففيها وجهت الأمة المسلمة نحو الاحتراس الكامل من متابعة غيرها ، أو الوقوع في أسر مصطلحاته ، وفيها عرفت الأمة أن عدوها لا يريد بها خيرا ، ولا يريد لها خيرا بل ينفس عليها أي خير يصيبها من ربها ، وفيها وجهت الأمة نحو التسليم المطلق لله في أحكامه وشرائعه ، ينسخ ما شاء ويثبت ما شاء ؛ فهو ذو القدرة المطلقة والعلم المحيط ، وفيها وجهت الأمة نحو الاحتراس من السير على طريق بني إسرائيل في تعنتهم وسؤال رسولهم ما لا ينبغي ، وفيها وجهت الأمة نحو الحرص على الإيمان وعدم استبداله بالكفر ، وفيها عرفت الأمة على الرغبة الملحة عند أهل الكتاب عامة من أجل صرف هذه الأمة عن دينها ، وفيها وجهت الأمة نحو الصلاة والزكاة كمرتكزين رئيسيين للبقاء في هذا الدين ، وفيها تمت الدلالة على الطريق للإيمان بالكتاب وهو تلاوته حق التلاوة . إن كل قضية من القضايا التي تعرضت لها الفقرة ذات أهمية بالغة جدا . فأية غفلة عنها ، أو جهل بها ، أو انحراف عن الأخذ بها ؛ يترتب عليه شر كبير وبلاء مستطير .