سعيد حوي
193
الأساس في التفسير
كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم ، وما حرفه أوائلهم وأواخرهم ، وبدلوه من أحكامهم التي كانت في التوراة . فأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم في كتابه على ذلك ، فكان في ذلك دليل على أن هذا القرآن من عند الله ، وهو شاهد صدق على أن محمدا رسول الله لمن أنصف من نفسه ، ولم يسر في هلاكها بأن سار في طريق الحسد والبغي ، إذ كان في فطرة كل ذي فطرة سليمة تصديق من أتى بمثل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات من غير تعلم تعلمه من بشر ، ولا أخذ شيئا منه من آدمي ، بل هو أمي لم يقرأ كتابا ومع ذلك فهو يخبرهم بما في أيديهم على وجهه ، فلهم في ذلك عبرة وبيان ، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون ، وهذا بعض الأمر من شأن هذا القرآن ، فلا يكفر بعد ذلك بهذه الآيات وهذا القرآن العظيم إلا الفاسقون أي المتمردون من الكفرة ، وفي ذلك إشارة إلى أن من لم يؤمن من أهل الكتاب فإنه فاسق عن أمر الله متمرد عليه . عن ابن عباس قال : قال ابن صوريا القطويني لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا محمد : ما جئتنا بشيء نعرفه ، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك ، فأنزل الله في ذلك قوله وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ ، دلت الآية من خلال سبب نزولها ومن خلال لفظها على أن القرآن العظيم هو المعجزات القاطعات الدلالة ، الواضحات البينات على رسالة رسولنا عليه الصلاة والسلام . فهو وحده كاف ، ولا زال الخلق يكتشفون كل يوم جديدا من معجزاته ، ومع ذلك فالله عزّ وجل قد أكرم رسوله صلى الله عليه وسلم بأنواع من المعجزات أخرى . وبهذه الآية تنتهي المجموعة الثانية : كلمة في المجموعة الثانية وسياقها : 1 - استقرت هذه المجموعة على قوله تعالى وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ كما استقرت المجموعة السابقة على قوله تعالى : وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ لاحظ التشابه بين الآيتين الخاتمتين : موسى جاء بالبينات فظلموا بها ، ومحمد جاء بالبينات فكفروا بها ولقد استقرت كل من المجموعتين على آية فيها تقرير أن ما جاءهم كاف لإيمانهم ، وكل من هاتين الآيتين قد جاء بعد حجج عليهم في شأن قضية الإيمان . وقد رأينا ذلك أثناء عرض المجموعتين . 2 - لقد جاءت هذه المجموعة لتكمل الرد على اليهود الذين يرفضون الإيمان بالقرآن