سعيد حوي
190
الأساس في التفسير
لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت . . . » . وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أي الموت أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي لن يتمنوه ما عاشوا بسبب ما أسلفوه من الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وتحريف كتاب الله وغير ذلك ، وهو من المعجزات لأنه إخبار بالغيب ، وكانوا يستطيعون أن يكذبوا القرآن بإعلانهم أنهم يتمنون الموت ولكنهم لم يفعلوا . قال ابن عباس : « ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات » . وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ومن علمه جل جلاله أنه تحداهم ، ومن علمه أنه أخبر أنهم لن يتمنوه ، وكان كما أخبر ، وفي النص تهديد لهم . وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ هذه تتمة الحجة عليهم في أنهم أهل باطل . ظهور هذا الحرص العظيم عندهم على الحياة ، فهم كالمشركين في هذا الحرص ، أو أشد حرصا من المشركين ، فلو كان إيمانهم بالله واليوم الآخر سليما ، واستقامتهم موجودة لما كانوا كذلك ، والتنكير في لفظ حَياةٍ يدل على أنهم يرغبون بالحياة المتطاولة مهما كان نوع هذه الحياة ، فهم أحرص الناس على طول العمر ؛ لما يعلمون من مآلهم السيئ ، وعاقبتهم الخاسرة عند الله لأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ، فهم يودون لو تأخروا عن مقام الآخرة بكل ما أمكنهم وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ . هل الضمير أَحَدُهُمْ يعود على المشركين أو على اليهود ؟ قولان للمفسرين فعلى القول أنه يعود على اليهود يكون المعنى : أن اليهود أحرص الناس على الحياة وهم أحرص من المشركين عليها ، حتى أن أحدهم يتمنى لو عمر ألف عام ، وعلى القول بأن الضمير يعود على المشركين يكون المعنى : أن المشرك يود لو عمر ألف عام فهو حريص على الحياة ومع ذلك فاليهود أحرص منه على الحياة ، وفيه توبيخ عظيم لليهود لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ، ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا ، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم ، فإذا زاد في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقا بأعظم التوبيخ ، وإنما زاد حرصهم على الذين أشركوا لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار ، والمشركون لا يعلمون ذلك . قال مجاهد : « حببت إليهم الخطيئة طول العمر » . وقد دلت الآية على أن المؤمن الحق يحب الآخرة أكثر من الدنيا ، ويحب الموت أكثر من الحياة ، وقد أدبنا رسولنا عليه الصلاة والسلام ألا نتمنى الموت لضر أصابنا ، بل نقول : « اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وأمتني ما كان الموت خيرا لي ، واجعل لحياة زيادة لي في كل خير ، واجعل الموت راحة لي من كل شر ، وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون » . ثم قال تعالى :