سعيد حوي

153

الأساس في التفسير

طيبا هنيئا نافعا سهلا ، واذكروا ضجركم مما رزقناكم ، وسؤالكم استبدال ذلك بالأطعمة الدنيئة من البقول ونحوها . فكان جواب موسى : أن هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز ، بل هو كثير في أي بلد دخلتموها وجدتموه ، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه ، هذا الذي ذكره المفسرون . ولكني ألمح مع التأنيب الإباحة ، أخذا من السياق الذي يعدد النعم فكأنهم مع نزولهم عن المقام الأعلى أبيح لهم أن يحصلوا على مثل هذه الأشياء بالنزول إلى الأمصار المجاورة لهم في رحلة التيه ، وبهذا يكون قد انتهى تعداد النعم ثم بعد ذلك يذكر الله عزّ وجل ما عوقبوا به بعد موسى بكثير . وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ . ثم علل جل جلاله لهذه العقوبة : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ . فالكفر بالآيات وقتل الأنبياء والعصيان والاعتداء ، هي سبب استحقاقهم للذلة والمسكنة والغضب من الله بعد سير تاريخي طويل ، وبعد إنعام كثير وبعد تفضيل الله إياهم على عالم زمانهم . إنها عقوبة تأتي بعد فترة من المرحلة التي قص الله علينا من أنباء الإنعام عليهم ، ولكنه جل جلاله وهو يقص علينا من أنبائهم في المرحلة الأولى ، هيأ أذهاننا لنصل إلى هذه النتيجة من خلال ما رأيناه من تعنتهم في الطلب وتحريفهم للأمر ، وظلمهم واستبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير ، وذلك كله في العصر الأول ، إن بذور الأخلاق الفاسدة الكبرى التي أدت إلى عقوبتهم النهائية كانت موجودة عند بعضهم حتى في العصر الأول عصر موسى ويوشع . عليهما السلام . ثم تأتي آية أخيرة في الفقرة : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . من المعلوم أن الأمة كلها لا تقع في المعصية بل يبقى أفراد ملتزمون مطيعون وهم لما يفعله الآخرون كارهون ولا يستطيعون أن يفعلوا شيئا ، هؤلاء ما محلهم في أمتهم ؟ ما حظهم من العقوبة الدنيوية والأخروية ؟ مع أنهم يقومون بحق الله ، إن هذه الآية تأتي لتقرر أن فضل الله عزّ وجل سابغ على أمثال هؤلاء في كل أمة من الأمم ، فهم بمنجاة من العقوبة الدنيوية والعقوبة الأخروية والذين هادوا هم : اليهود ، والنصارى هم من