سعيد حوي
145
الأساس في التفسير
الكتب عليهم . قال أبو العالية في تفسيرها : « بما أعطوا من الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان ، فإن لكل زمان عالما » أقول : هذا فهم بعض أهل التفسير لظاهر التفضيل ، والقرآن قد أطلق التفضيل ومن ثم فقد يكون التفضيل لهم على غيرهم مع اشتراك غيرهم معهم في مثل ما ذكر من الأسباب . وتفضيلهم على العالمين من أعظم نعمه عليهم ، ولكنه خص بالأمر بالتذكر ، بعد الأمر بتذكر النعم ، لأهمية ذلك ، فالعقلية اليهودية منطبع فيها أن اليهود شعب الله المختار مهما فعلوا ومهما أساءوا ومهما أفسدوا ، وأن هذه صفة أبدية لهم مهما كفروا ومهما عصوا ، ولذلك فإنه يذكر بهذه النعمة ابتداء بين يدي تعداد النعم الذي في طياته التأنيب على الانحراف ، ليستقر ذلك على العقوبة الأبدية لهم إن لم يراجعوا أنفسهم في الولوج في حمى الأمة المرحومة أبدا ، إن ذكر ذلك على انفراد كما قلنا له أهميته الخاصة . وبعد هذا التذكير المجمل بالنعم وبالتفضيل يتجه الخطاب إليهم بالتذكير بالآخرة . . وَاتَّقُوا يَوْماً . أي : يوم القيامة الذي من صفاته : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً . أي : لا يغني أحد عن أحد ، فلا تغني نفس مؤمنة عن نفس كافرة شيئا من الحقوق التي لزمتها وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ الضمير في ( منها ) يرجع إلى النفس المؤمنة أي لا تقبل منها شفاعة للكافرة فهو كقوله تعالى في سورة المدثر : فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ، فهذا أبلغ رد على اليهود الذين يزعمون أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم ، وعلى النصارى الذين يزعمون أن عيسى يحمل عنهم خطاياهم ، وعلى أمثالهم ، ممن كفر بعد إيمان . وتشبث المعتزلة بالآية في نفي الشفاعة للعصاة من المؤمنين مردود بالنصوص كما سنرى لأن المنفي شفاعة الكفار وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ : أي لا يقبل منها فداء ، فالعدل هنا الفدية والبدل وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ أي لا أحد يعينهم ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله ، قال ابن جرير : « يعني أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر كما لا يشفع لهم شافع ولا يقبل منهم عدل ولا فدية ، بطلت هنالك المحاباة ، واضمحلت الرشا والشفاعات ، وارتفع من القوم التناصر والتعاون وصار الحكم إلى الجبار ، العدل الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء ، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها . أقول : وفي تذكيرهم باليوم الآخر وبعض قوانينه الصارمة بعد أمرهم بتذكر النعم وتفضيلهم إشعار لهم أنهم مكلفون ومحاسبون ، وأن ذلك يقتضي منهم شكرا لا بطرا ، وطاعة لا معصية ، قياما بحق الله لا فرارا منه . وهذا يدلنا على أن السياق . . . سياق تذكير وتأنيب ودعوة ، وهي في النهاية إعطاء دروس لهذه الأمة ، ألا تقع فيما وقعت فيه أمم أخرى . وللأسف فإن الكثيرين من أبناء أمتنا واقعون فيما وقع فيه اليهود في سيرهم الطويل كما