محمدحسن القبيسي العاملي

5

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي

البيان : هذه التسبيحات في ملكوت اللّه يرتادها السياق بعد قصة النشأة الانسانية ، وبعد تصوير طرفي الرحلة ، وبعد الحديث عن اتباع الشيطان والاستكبار عن اتباع رسل اللّه عزّ وجل . ان اخلاص الدين لله وتقرير عبودية البشر له ، ان هي الا فرع من اسلام الوجود كله ، ومن ثم يتخذ المنهج القرآني من هذا الوجود مجاله الأول ، لتجلية حقيقة الألوهية ، وتعبيد البشر لربهم وحده . واشعار قلوبهم وكيانهم كله حقيقة العبودية لله وحده ، وتذوقها الحقيقي في استسلام الواثق المطمئن ، الذي يستشعر ان كل ما حوله وكل من حوله من خلق اللّه بيده وادارته وتدبيره في كل لحظة وحركة وسكون . ان عقيدة التوحيد الاسلامية لا تدع مجالا لأي تصور بشري عن ذات اللّه سبحانه ، ( وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ . . فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ) في كل لحظة تهب ريح وفي كل وقت تحمل الريح سحابا ، وفي كل فترة ينزل من السحاب ماء ، ولكن ربط هذا كله بفعل اللّه وحده كما هو في الحقيقة - هو الجديد الذي يعرضه القرآن المجيد هذا العرض المرتسم في المشاهد المتحركة كأن العين تراه . ان التصور الاسلامي في هذا الجانب ينفي العفوية والمصادفة في كل ما يجري في الكون ابتداء من نشأته وبروزه إلى كل حركة فيه وكل تعديل كما ينفي الجبرية ، الّا التي تصور الكون كأنه آلة قد فرغ منها صانعها الخلاق الخبير ، وأودعها القوانين التي تتحرك بها ثم تركها انه يثبت الخلق بمشيئته وقدرته ، ثم يثبت الناموس الثابت والسنة الجارية ، ولكنه يجعل معها القدر المصاحب لكل حركة من حركات الناموس . انه تصور حي ينفي عن القلب البلادة ، ويدعه أبدا في يقظة