محمدحسن القبيسي العاملي

83

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي

ثم انتصاره على أعداء الرسالة والطغاة والمتكبرين ، ووصوله إلى الجزاء الحسن النعيم والخلود في الآخرة . ففي ذيل كل قصة من قصصهم يردد القرآن : « كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ » * . ويعقبها بتحية اكبار لصمودهم وجهادهم ، تحية الخلود والاستبشار . طبعا هذا تلويح بالمصير الأسود الذي ينتظر الكافرين بالاسلام . لذلك وبعد الانتهاء من هذه السلسلة من الآيات التي كانت تضرب على وتر واحد هو تحطيم نفسية الغرور والعجرفة المتصلفة في الكافرين برسالة الاسلام ، وتحدي كبريائهم وعنجهيتهم المزيفة ، وبعد أن يتركهم تحت سياط الشعور بالندم والخيبة والحقارة ، بل حتى ايصالهم إلى الجحيم وترويعهم بالنار . بعد ذلك يتوجه إلى النبي بأن يعتزلهم ويتخلى عنهم ، ويتركهم في غرورهم واستكبارهم ، ليحقق هذا الاستقلال النفسي والسياسي للجماعة المؤمنة ، ويدعو للفصل بين المواقع والانفصال في المواقف . « فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ » . ويتوجه إليهم بهذا السؤال العنيف وهذا الاستفهام الاستنكاري : لكي يحطم فيهم شعورهم الاهوج بالتحدي والغرور المزيف : « أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ » ؟ * « فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ » . وبهذه الاستفهامات التي يستشم منها رائحة التحدي الأقوى والاستنكار نكتشف الاتجاه العام لسورة ( الصافات ) . فيبدأ باستفهام : « فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا ؟ » وينتهي باستفهام : « أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ . . ؟ » . * وبين هذين الاستفهامين الاستنكاريين يضرب بعنف كل المبررات