محمدحسن القبيسي العاملي

78

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي

والمكابرة فيه ، حين يشعره بأنه لا شيء أو شيء تافه بالنسبة إلى عظمة الكون ، ومخلوق ضعيف امام الكائنات الهائلة الضخمة . ثم يستنتج هذا الاستنتاج ، حين يفرع الجملة بقاء النتيجة : « فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ » . 11 / الصافات . فكيف يكون الانسان مخلوقا من طين لازب ( أي لزج ) وهو بهذه السماجة يصل به الغرور الاهوج والتكبر إلى أن ينكر خالق السماوات والأرض ؟ لما ذا لا يراجع الانسان نفسه لحظات ، ليجدها ذرة تافهة بالقياس إلى هذا الكون الهائل ، ويجدها ورقة في هذه الغابة الكثيفة من الأشجار . ولكنه يفارق الغصن وينفصل عن الشجرة ليذبل ويصفر وتدوسه الاقدام فلا يرى هذه الغابة من الأشجار ويرتبط معها في الأغصان والجذور ، ويمتص الغذاء والهواء والنور والماء والاملاح . . هذا مثال الانسان الذي ينفصل عن قافلة الحياة المتجهة إلى خالقها ويبتعد عن مسيرة الكون المسبح لله الخاضع لقوانينه : « أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ » 18 / سورة الحج . . ولكنه ينسى كل هذا ويغتر بنفسه ، ويبلغ به الغرور والعنجهية ان يقول « أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى » ، وهو ينسى أن هذه الورقة سيأتيها الخريف وتعصف بها الرياح لتحولها إلى عصف مأكول . وبهذه الطريقة تحاول الآيات أن تكسر اطواق الغرور والتكبر والعجرفة عن رقبة الانسان ، وتحطم كبرياءه ، وتجرده من أي شعور بقيمته لتصوره امام نفسه حقيرا تافها ، وهل هناك أحقر من الطين والحمأ المسنون ، وأتفه من الطين اللزج .