محمدحسن القبيسي العاملي
58
تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي
الفكري والحضاري ، مع احتفاظه بمستوى التوجيه الروحي لكل انسان ومناغاته لكل روح وهمسه في « اذن » كل من القى السمع وهو شهيد . فترك النبي للقرآن الكريم بهذا الترتيب ، كان مقصودا ومتعمدا . للأسباب التي ذكرناها . . وأظن ان الصحابة من بعده احتفظوا بنفس الترتيب ولم يغيروا فيه على أذواقهم . . رعاية للمسات النبي المباشرة في جمع شتات القرآن . . فبالإضافة إلى أنه - القرآن احتفظ برونقه وانفراده الرائع ، فإنه يمكن ان نأخذ ذلك بعين الاعتبار ، ونتأمل ونطرح الأسئلة والاستيضاحات عن الروابط الحقيقية بين وضع الآيات وترتيب مواضيع السور ، واجزاء الآيات والكلمات . لأن هذا الترتيب الذي قصده الرسول لم يكن عن نفسه ورغبته الذاتية ، وانما كان عن الوحي وعن امر ربه لأنه لا ينطق عن الهوى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ) . لم يكن للرسول اختيار ان يزيد أو ينقص حرفا واحدا في كتاب اللّه من نفسه . . « لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ » . . ومرة جاء أهل الناصرة إلى النبي ، وقدموا له الهدايا والتحف على جمال محملة ذهبا ، ليزيد لهم نقطة واحدة في آية قرآنية ، فيستبدل حرف الباء في الآية « فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما » بحرف ( التاء ) ، « فاتوا ان يضيفوهما » ليرفعوا بذلك العار عن آبائهم الذين زارهم العبد الصالح بصحبة النبي موسى فلم يضيفوهما أهل القرية . . فذكر القرآن عنهم هذه الواقعة .