محمدحسن القبيسي العاملي

153

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي

لأنه قتل جماعة كبيرة من الشعب حاولوا المعارضة . . فأصبحوا عبرة لغيرهم وصار الآخرون يخافون اما على أنفسهم واما على مصالحهم وحقوقهم . ومن جانب سادت الوثنية وسادت معها الميوعة والحياة المادية المتحللة . . فلم يشعر أحد بالاشمئزاز والاستنكار . . في هذه الدولة الوثنية الجائرة ، وفي هذا المجتمع المتهتك الخليع وفي هذا المحيط الضيق المطبق ، وفي هذا الجو المخنوق الرهيب ، وجد رهط من الناس تسربت إليهم دعوة الايمان بالله ، وتفجرت في نفوسهم فطرة التوجه إلى اللّه ، والحق والحرية فصادفت منهم عقولا واعية وقلوبا خاشعة ، وضمائر حية ، ففتحتها وملكتها ، وشغلت من نفوسهم كل مكان ، ومن قلوبهم وتفكيرهم كل جانب ، وأصبحت لهم ايمانا وعقيدة ، ولذة وقوة ، وفطرة ويقينا ، وشغفا وحبا ، وعشقا وهياما ، فأصبحوا لا يشعرون بغير هذه العقيدة المتحررة ، ولا يبيعونها بأكبر ثمن في العالم ولو كان هذا الثمن نفوسهم وحياتهم ومناصبهم الرفيعة - لأنهم قيل كانوا وزراء الملك الحاكم - ومن هنا بدأ الصراع . بدأ ذلك في نفوسهم أولا ، ثم في الواقع الخارجي ثانيا ، وكذلك الصراع - بين الخير والشر - يبدأ دائما في النفوس . لذلك رفضوا الواقع الفاسد ، وفكروا في اعلان رفضهم وثورتهم واتجهوا اتجاها معارضا للحكومة والمجتمع ، فالحكومة وثنية لا تقبل الا الوثنية والحاكم مستبد طاغية لا يقبل من الناس الخضوع والعبودية الا له ، والمجتمع خليع بكل وسائل الخلاعة والميوعة والترف . ولكن كيف يعلنوا رفضهم ومعارضتها وهم أقلية مستضعفة في قبضة الحاكم .