محمدحسن القبيسي العاملي

131

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي

في نموذج صاحب الجنتين ، نجد نفسا ممتلئة بالبطر والغرور والتكبر وما ينتج منها من نسيان اللّه ، وظلم الانسان نفسه . انه الغرور يخيل لذوي الجاه والسلطان والمتاع والثراء ان القيم التي يعاملهم بها أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم في الملأ الاعلى ، فما داموا يستعلون على أهل هذه الأرض ويستطيلون ، فلا بد أن يكون لهم عند السماء مكان ملحوظ . . فأما صاحبه الفقير الذي لا مال له ولا نفر ، ولا جنة عنده ولا ثمر ، فإنه معتز بما هو أبقى وأعلى ، معتز بعقيدته وايمانه ، معتز بالله الذي تعنو له الجباه ، فهو يجبه صاحبه المتبطر المغرور منكرا عليه بطره وكبره ، ويذكره بمنشئه المهين من ماء وطين ، ويوجهه إلى الأدب الواجب في حق المنعم ، وينذره عاقبة البطر والكبر ، ويرجو عند ربه ما هو خير من الجنة والثمار . ونلاحظ في هذا النموذج المثالي . . كيف تنتفض عزة الايمان في النفس المؤمنة ، فلا تبالي بالمال والنفر ، ولا تداري الغنى والبطر ، ولا تتلعثم في الحق ، ولا تجامل فيه الأصحاب . . وهكذا يستشعر المؤمن انه عزيز امام الجاه والمال ، وان ما عند اللّه خير من أعراض الحياة ، وان فضل اللّه عظيم وهو يطمع في فضل اللّه ، وان نقمة اللّه جبارة وانها وشيكة ان تصيب الغافلين المتبطرين . وفجأة ينقلنا السياق من مشهد النماء والازدهار ، إلى مشهد الدمار والبوار ، ومن هيئة البطر والاستكبار إلى هيئة الندم والاستغفار ، فلقد كان ما توقعه الرجل المؤمن . « وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها ، وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ، وَيَقُولُ : يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً » . ومع أنه لم يصرح الرجل بكلمة الشرك الا ان اعتزازه بقيمة أخرى