محمدحسن القبيسي العاملي
104
تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي
لأنه قال في الآية الأولى : ( انا سنجعل عليكم الليل سرمدا ، ) وما دام الليل سرمدا - أي باقيا - فتكون وسيلة الادراك هي الاذن « أَ فَلا تَسْمَعُونَ » وليست العين . ولكن في النهار تكون وسيلة الادراك هي العين ، فمع النهار يقول : « أَ فَلا تُبْصِرُونَ » ومع الليل يقول : « أَ فَلا تَسْمَعُونَ » . إذا فهذا اعجاز بياني عظيم يتمشى مع الحقائق العلمية . 5 - ونجد شبيها لهذه الملاحظة في موضع آخر من القرآن ، وهو يكشف أيضا عن العلاقة الواقعية والطبيعية بين بداية الآيات ونهاياتها . ففي الآية 26 و 27 من سورة السجدة نقرأ قوله تعالى : « أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ ، أَ فَلا يَسْمَعُونَ » . وبعدها يقول : « أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ ، أَ فَلا يُبْصِرُونَ » . ففي الآية الأولى كانت بدايتها « أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ » . أي ألم يصل إليهم - من التاريخ - اخبار أولئك الأقوام الماضية الذين أهلكهم اللّه ، فالقضية هنا شيء تاريخي واحداث ماضية ليسمع عنها الانسان ولا يراها أمامه ، فيحتاج ان يقول « أَ فَلا يَسْمَعُونَ » . بينما في الآية الثانية بدايتها « أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ . فهي تريد لفت الانظار إلى ظاهرة طبيعية امام الناس ليشاهدونها دائما ، وهي تدل على قدرة اللّه ورحمته فيحتاج ان يقول تعقيبا عليها : « أَ فَلا يُبْصِرُونَ » .