السيد محمدحسين الطباطبائي

312

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

لا تشغلهم عن ربّهم لا كالحياة الدنيا اللاهية الشاغلة ، وقد أبهم سبحانه الرزق الذي يرزقونه كما أبهم النعمة والفضل الذين يستبشرون بهما . وكيف كان ، فهذه الحياة إذ كانت لا بحذاء العمل ؛ إذ الأجر الذي بحذاء العمل أن يعمل الإنسان عملا يريد به ما عند اللّه سبحانه ، وأمّا القتل في سبيل اللّه فهو رفض للحياة وليس بفعل وجوديّ يستتبع غاية وجوديّة ، ولذلك كان ما هيّأه اللّه من الحياة للشهداء حياة أخرى عنده لا غائبا عنه وفضلا منه ، لا أجرا لعمل عملوه ، وعليه يمكن أن ينزّل فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ . وقد أثبت سبحانه الحياة والبقاء لكلّ ميّت على خلاف ما كان يقوله الكافرون من الموت والفوت بقولهم فيما حكى اللّه : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ، « 1 » بل الإنسان باق وإن فنى البدن ، قال سبحانه : وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ * قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ، « 2 » فهذا الخطاب والبيان منه سبحانه أعني قوله : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ ، بتخصيص الكلام بالمقتولين في سبيل اللّه ، مع أنّ الحكم عامّ للشهداء وغيرهم ، والمؤمن والكافر ليس مسوقا إلّا لبيان أنّ الحياة التي كانت تعتقده النفوس فيهم ، ثمّ افتقدوها بزعمهم وزالت عنهم وزهقت لم يبطل عنهم ، وهذا دليل على أنّ تعلّقهم بالدنيا وإشرافهم على هذه الدار باقية بعد وإن حلّ بهم القتل وأخمدت إحساساتهم في الظاهر ، ويشير إلى ذلك قوله سبحانه وتعالى : وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ، إذ الإستبشار : تلقّي البشارة

--> ( 1 ) . الأنعام ( 6 ) : 29 . ( 2 ) . السجدة ( 32 ) : 10 - 11 .