السيد محمدحسين الطباطبائي

289

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

فيختلفان بالضرورة بحسب السنخ والأحكام ، فالأرض لها نظام مادّي ومبادئ أحكامها الجسمانيّات على ما أودع اللّه فيها من الأحكام ، والحياة الدنيا وهي حياة الإنسان في الأرض ذو نظام مادّي يربطه بالإنسان الإرادة والمشيّة . وأمّا الحياة الآخرة فنظامها نظام المشيّة ، قال سبحانه : لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ ، « 1 » وقال : وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ ، « 2 » هذا في السعداء . وقال سبحانه وتعالى : وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ، « 3 » وقال : أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي ، « 4 » إلى غير ذلك . فالنشأة الأخرى يدور نظامها مدار الإرادة والمشيّة وحصول الإنسان على ما يشاؤه أو لا يشاؤه ، والفارق بين السعادة والشقاء هناك أنّ للسعيد ما يشاؤه وللشقيّ ما يكرهه ولا يشاؤه ، ولذلك لم يكن هناك تزاحم لا في حياة السعيد وسعادته ، ولا بين حياته وحياة الشقيّ ؛ إذ النسبة بينهما كنسبة العدم والملكة ، كما قال سبحانه : فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ ، « 5 » فالنسبة بينهما نسبة الليل والنهار ، فلا تزاحم هناك فيما فيه التزاحم هاهنا في نظام السعادة ونظام الشقاء بعكسه . ومن هنا يظهر معنى ما عن ابن شهرآشوب في المناقب ، قال : في تفسير يوسف القطّان ، عن وكيع ، عن الثوري ، عن السدّي قال : كنت عند عمر بن

--> ( 1 ) . النحل ( 16 ) : 31 . ( 2 ) . الزخرف ( 43 ) : 71 . ( 3 ) . الزخرف ( 43 ) : 75 . ( 4 ) . العنكبوت ( 29 ) : 23 . ( 5 ) . الحديد ( 57 ) : 13 .