السيد محمدحسين الطباطبائي

161

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

من جهتها وبالرجوع إليها . ثمّ إنّه سبحانه وصف المتشابهات بأنّ لها تأويلا يبتغيه أهل الزيغ ، وأيضا مرجعا ترجع هي إليه ، ونفى علمهم بالتأويل . ويظهر به أنّ التأويل غير كون المحكمات مرجعا لها ، إذ لو كانا جميعا واحدا لم يصحّ نفي العلم به عنهم ؛ إذ المحكمات يعرفها ويفهمها كلّ أحد من زائغ وراسخ ، فكون المحكمات امّ الكتاب غير كونها تأويل المتشابهات . وأيضا قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ . في مقام الذمّ والتأنيب لهم في فعلهم هذا ، ولو كان تأويل المتشابه هو مضمون المحكم لم يصحّ عدّه انحرافا وزيغا عن طريق الصواب وذمّهم به . على أنّه لا معنى لاتّباع المتشابه والعمل به طلبا لمدلول المحكم ومعناه . وأيضا لو كانت الأمومة المذكورة والتأويل شيئا واحدا لكانت المحكمات تأويلا للمتشابهات وهو ينافي الظاهر من قوله سبحانه : وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ، « 1 » فإنّ سياق الآيات يفيد أنّ الذي كذّبوا به هو جملة القرآن ولم يأتهم تأويله بعد ، فللجملة تأويل دون المتشابه فقط . ومثله قوله تعالى : وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ

--> ( 1 ) . يونس ( 10 ) : 37 - 39 .