السيد محمدحسين الطباطبائي

108

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

وإرادته ، فهو من شؤون التدبير والتربية ، فلا يسع لمقدم أن يقدم على خلاف ما يريده سبحانه من التدبير لمملكته ، إلّا وهو بعض التدبير . وقوله تعالى : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ سياق الجملتين : لَهُ ما فِي السَّماواتِ - إلى قوله - : شاءَ يفيد أنّ المراد بوسعة الكرسي : إحاطة مقام السلطنة الإلهيّة ، فيتعيّن للكرسي من المعنى : أنّه المقام الربوبيّ الذي يقوم به ما في السماوات وما في الأرض ؛ من حيث إنّها مملوكة مدبّرة معلومة ، وللوسعة من المعنى : حفظ كلّ ما فيهما بذاته وآثاره ولذلك ذيّله بقوله : وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وضمير الإفراد راجع إليه تعالى دون الكرسي ، فالمعنى : لا يثقل عليه حفظهما حتّى يؤدّي إلى تعب يستراح منه بالسّنة والنوم ، فقوله سبحانه : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ نظير التفسير والتوضيح لقوله تعالى : الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ . وجمل الآية المتّسقة كلّ سابقة منها يجري مجرى السبب المقتضي للاحقتها ؛ فوسعة الكرسي للسماوات والأرض مسبّبة عن شمول الربوبيّة والعلم ، ووسعة العلم مسبّبة عن وسعة الربوبيّة ، ووسعتها عن القيمومة ، وهي عن الحياة ، وهي عن اللّه لا إله إلّا هو . وقوله تعالى : الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ختم بهما الآية لبيان عظمته سبحانه : بالإحاطة بالجميع ، وعلوّه عن فساد الأمر واختلال السلطان ؛ بيانا بعد بيان . ومن هنا يظهر أنّ « العليّ » و « العظيم » من الأسماء التي تحت اسم « القيّوم » .