السيد محمدحسين الطباطبائي
98
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
الْأَسْماءَ . . . الآية وهذا السياق يفيد أنّه سبحانه لم ينف عن خليفة الأرض الفساد ، ولا عن الملائكة دعواهم ، وقرّرهم على ما ادّعوا ، بل إنّما أبدى شيئا آخر ؛ وهو أنّ هناك أمرا لا يقدر الملائكة على تحمّله ، ويقدر عليه الخليفة الأرضي ، فهو يحكي عنه سبحانه أمرا ويتحمّل سرّا ليس في الملائكة . وقد بدّل سبحانه قوله : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ثانيا بقوله : أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ . وهذا الغيب هو الأسماء ، دون علم آدم بها ؛ فالملائكة ما كانت تعلم أنّ هناك أسماءا لا يعلمونها ، لا أنّهم كانوا يعلمون أنّ هناك أسماءا غير معلومة لكن ما كانوا يعلمون من آدم أنّه يعلمها ؛ وإلّا لما كان لسؤاله تعالى إيّاهم عن الأسماء وجه ، بل كان حقّ المقام أن يقتصر على قوله : قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ . . . إلى آخره ، حتّى يتبيّن لهم أنّ آدم يعلمها ، لا أن يسأل الملائكة عن ذلك ؛ فإنّ هذا السياق يعطي أنّهم ادّعوا الخلافة وأذعنوا انتفاءها عن آدم . وكان اللازم في الخلافة أن يعلم الخليفة بالأسماء ، فسألهم عن الأسماء فجهلوها ، وعلمها آدم - عليه السلام - فثبت لياقته لها وانتفاؤها عنهم ، وقد ذيّل سبحانه السؤال بقوله : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وهو يعطي أنّهم ادّعوا شيئا كان لازمه العلم بالأسماء لذلك . وقوله سبحانه : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ . . . مشعر بأنّ هذه الأسماء - أو أنّ مسمّياتها - كانوا موجودات أحياءا عقلاء محجوبين تحت حجاب الغيب ، وأنّ العلم بأسمائهم غير نحو العلم الذي عندنا بأسماء الأشياء ؛ وإلّا لكانت الملائكة - بإنباء آدم إيّاهم بها - عالمين بها ،