السيد محمدحسين الطباطبائي

58

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

فإنّما تنال بإدراك دون الإدراك العقلي وعلم غير العلم الفكري . وثانيا : أنّ هذه الحقائق ليست خارجة مغايرة لهذه الظواهر الملقاة من البيانات المتعارفة والأمثال المضروبة ، بل مثلها فيها كمثل الروح في الأجساد أو كرسول يرسله الملك إلى طوائف مختلفة من رعيّته ويأمره أن يتلبّس بكلّ طائفة منهم بلباس لا ينكرونه ، ويتّسم بهيئة وسمة يعرفونها ، والرسول واحد ، كمجرى قوله سبحانه : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ، « 1 » وقد قال سبحانه : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ، « 2 » يريد سبحانه أنّ للقرآن مرتبة أخرى في محلّ آخر لا تنال بهذه الأفهام والعقول ، ثمّ قال تعالى : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ « 3 » فأثبت مسّه ونيله للمطهّرين ، وهو في مرتبة أرفع من أن ينال بالعقل والفكر ، وقد عدّ سبحانه كلّ ظلم وشرك من الرجس ، فهؤلاء المطهّرون رجال أزال اللّه عن قلوبهم رجس الشرك والريب ، وعن أفعالهم رجس الظلم والمعصية وطهّرهم تطهيرا ، كما أنزل في أهل بيت نبيّه قوله سبحانه : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ، « 4 » وهؤلاء رجال آتاهم اللّه من علم الأشياء بحقائقها وحقائق ما يكلّم به الناس ويخاطبهم نيلا وراء نيل العقل ، ونحوا غير نحوه ، فنظروا إلى الأشياء على ما هي عليه من المملوكيّة للّه والفقر إلى اللّه والقيام باللّه بكشف

--> ( 1 ) . الأنعام ( 6 ) : 9 . ( 2 ) . الزخرف ( 43 ) : 3 و 4 . ( 3 ) . الواقعة ( 56 ) : 77 - 79 . ( 4 ) . الأحزاب ( 33 ) : 33 .