السيد محمدحسين الطباطبائي

332

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

ربّه في الرخاء إذا دعاه في الشدّة كان معنى عمله أنّه يذعن به تعالى على تقدير ، وهو ربّ على كلّ تقدير ، فلم يعرفه ، فلم يدعه . وقد ورد هذا المعنى بلسان آخر : ففي المكارم عن الصادق - عليه السلام - قال : « من تقدّم في الدعاء استجيب له إذا نزل به البلاء ، وقيل : صوت معروف ، ولم يحجب عن السماء ، ومن لم يتقدّم في الدعاء لم يستجب له إذا نزل به البلاء ، وقالت الملائكة : إنّ ذا الصوت لا نعرفه . . . » « 1 » الحديث . وقوله - عليه السلام - : « فقد جرى القلم بما هو كائن . . . » إلى آخره ، يشير إلى أنّ الأسباب الظاهريّة العاديّة في الوجود فإنّما سببيّتها مقصورة على حدّ قدّره اللّه تعالى ، وحدّه فيها في الواقع ، لا على ما يتراءى من سببيّتها وعملها ، فإذا الواجب على العبد أن يتوجّه في حوائجه إلى جناب العزّة ، ولا يقرع باب الأسباب وإن أبى اللّه أن يجري الأمور إلّا بأسبابها . وهذه دعوة إلى عدم الاعتماد على الأسباب إلّا باللّه المفيض لها سببيّتها ، وليست دعوة إلى إلغاء الأسباب والطلب من غير سبب ، فهو طمع فيما لا مطمع فيه البتّة ، وعلى هذا النحو ينبغي أن يقرّر معنى ما مرّ من الأحاديث القدسيّة من نحو قوله سبحانه : « وعزّتي وجلالي لأقطعنّ أمل كلّ آمل أمل غيري بالإياس » فليس بإلغاء للسببيّة في الأسباب ، ولا بردع عن استعمالها ، فافهم . وهاهنا سرّ آخر : وهو أنّ من استند في سير حياته إلى أمر ، وعوّل عليه كلّ التعويل ، كان عنده عطبه ، كذوي الفنون إذا استمهر أحدهم في أمر خطير كان فيه خطره .

--> ( 1 ) . مكارم الأخلاق : 271 .