السيد محمدحسين الطباطبائي

324

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ، « 1 » فهم فيما لا يحصونه من النعم سائلون ، ولم يسألوها بألسنتهم ، بل بفقرهم واستحقاقهم ذلك لسانا فطريّا وجوديّا . وقال في هذه الآية : أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فلم يقيّد بقيد ، بل إنّما شرط أن يكون داعيا وأن يتعلّق دعاؤه به لا بغيره . فما لا يقع ممّا يريده الإنسان ويهتمّ به فالدعاء الفطري لا يتخطّاه سبحانه ، بل لم يتحقّق هناك دعاء ، وإنّما التبس الأمر عليه التباسا ، وهو الذي يجده الإنسان فيما كان يريده بعد اليأس ، فيجد أنّه قد كان ممّا لا يقع ، وأنّه قد كان مخطئا في طلبه ؛ إذ كان لا يطلب المحال ، بل يطلبه لإذعانه إمكانه ؛ ولم يكن ممكنا ، فلم يكن يطلبه بالحقيقة . فهذا الذي لا يتحقّق فيه الدعاء . ثمّ ما لا يقع ممّا يسأله الإنسان عن ربّه ، فلم يسأل ربّه ، أي لم يواطئ قلبه لسانه ؛ كمن تعلّق رجاؤه بالأسباب العاديّة أو أمور وهميّة ، فلم يخلص الدعاء بالقلب ، وإن أخلصه باللسان واللفظ . هذا ملخّص القول في معنى الدعاء ، وبه يظهر معاني جميع ما ورد فيه من الآيات والأخبار : قال تعالى : يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ « 2 » وقال تعالى : قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ « 3 » وقال تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ « 4 » وقال تعالى :

--> ( 1 ) . إبراهيم ( 14 ) : 34 . ( 2 ) . الرحمن ( 55 ) : 29 . ( 3 ) . الفرقان ( 25 ) : 77 . ( 4 ) . الأنعام ( 6 ) : 41 .