السيد محمدحسين الطباطبائي

264

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

ولو كان الذكر اللفظيّ أيضا ذكرا حقيقة ، فالذكر ذو مراتب هو أحدها ، ومرتبته الأخرى الذكر القلبيّ ، قال تعالى : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ « 1 » وقال : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ « 2 » وقال : فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً « 3 » فالشدة إنّما يتّصف بها المعنى دون اللفظ ، وقال : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً « 4 » وذيل الآية يدلّ على طلب ما هو أعلى منزلة ممّا هو فيه ، فيؤول المعنى إلى أنّك إذا تنزّلت من مرتبة من ذكره - بالنسيان - إلى مرتبة هي دونه ، فاذكر ربّك واسأل ما هو أقرب طريقا وأعلى منزلة ، فينتج : أنّ الذكر القلبي ذو مراتب في نفسه . وكيف كان ، فلو كان لقوله : فَاذْكُرُونِي حقيقة من غير مجاز ، أفاد ذلك أنّ للإنسان سنخا آخر من العلم غير هذا العلم المعهود عندنا ؛ وهو حضور صورة المدرك بالفتح عند المدرك بالكسر إذ كلّ ما فرض من هذا السنخ فهو توصيف للمعلوم ، وتقدّست ساحته سبحانه عن توصيف الواصفين ، قال تعالى : سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ « 5 » وقال : وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً . « 6 » وينتج ذلك أوّلا « 7 » أنّ إطلاق ذكر اللّه على الأذكار القلبيّة - أيضا - كإطلاق الذكر على الذكر اللفظي مسامحة ، وليس من الحقيقة في شيء ، إلّا بعناية

--> ( 1 ) . الرعد ( 13 ) : 28 . ( 2 ) . الأعراف ( 7 ) : 205 . ( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 200 . ( 4 ) . الكهف ( 18 ) : 24 . ( 5 ) . الصافات ( 37 ) : 160 - 159 . ( 6 ) . طه ( 20 ) : 110 . ( 7 ) . ليس لهذه الكلمة عدل ظاهر في العبارة .