السيد محمدحسين الطباطبائي

223

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ، فالظرف متعلّق بقوله : اصْطَفَيْناهُ وإذا ضمّ إليه قوله في الآية التالية : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ أفاد أنّ المصطفى هو الدين ، واصطفاء الإنسان بإسلامه ودينه ، فالمصطفى هو المتحقّق بالدين . والاصطفاء هو الاجتباء ، وإنّما الفرق بينهما معنى : أنّ الاجتباء يقتضي حركة وطلبا من المجتبي بصيغة الفاعل بخلاف الاصطفاء ؛ إذ الاجتباء من قولنا : جبى الخراج جباية : إذا جمعها ، فيحتاج إلى حركة وطلب ، والاصطفاء من الصفاء بمعنى الخلوص ، فلا يحتاج إلى طلب وحركة . وبهذه النسبة فالاصطفاء بمعنى خلوص الإنسان للدين وهو مقام ، والاجتباء بمعنى تخصيص اللّه - سبحانه - عبدا من بين العباد بنفسه بالعصمة كما عرفت ، قال اللّه تعالى : هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ « 1 » وقال : وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ « 2 » وقال : ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى « 3 » وقال : وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا « 4 » إلى غير ذلك من الآيات . وأمّا الإسلام فهو والتسليم والاستسلام بمعنى : من السلم ، والشيء إذا كان بالنسبة إلى آخر بحال لا يعصيه ولا يدفعه فقد أسلم وسلّم واستسلم له : قال سبحانه : بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ « 5 » وقال : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً « 6 » ووجه الشيء : ما يواجهك به ، وهو بالنسبة إليه تعالى تمام وجود

--> ( 1 ) . الحج ( 22 ) : 78 . ( 2 ) . الأنعام ( 6 ) : 87 . ( 3 ) . طه ( 20 ) : 122 . ( 4 ) . مريم ( 19 ) : 58 . ( 5 ) . البقرة ( 2 ) : 112 . ( 6 ) . الأنعام ( 6 ) : 79 .