السيد محمدحسين الطباطبائي
197
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ . « 1 » فإن قلت : الهداية من اللّه ، وقد أثبت وقرّر في كلامه ، هدايته لجميع المهتدين ؛ أعمّ ممّا سمّيته هداية بالذات أو بالغير ، فمجرّد نسبة هدايته لجمع من عباده - كعدّة من الأنبياء كما في الآيات المزبورة - لا يستلزم ثبوت الإمامة . قلت : نعم ، ولكنّه سبحانه - مع ذلك - نسب هداية بعض ممّن هداه إلى بعض آخر من عباده ، كقوله : وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا « 2 » وقوله : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ « 3 » وهناك بعض آخر لم ينسب هدايتهم إلّا إلى نفسه سبحانه ، كبعض الأنبياء - عليهم السلام - ، فعلمنا بذلك أنّ بين الهدايتين فرقا ، وكذا بين الطائفتين من المهتدين ، على أنّه تعالى أضاف إلى ذلك أوصافا أوجبت تميّز الهدايتين ، مثل عدم التغيّر والتخلّف والعصمة وغير ذلك ، كما يعطيه سياق الآيات ، وفيها قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ « 4 » فإنّ ظاهرها أنّ هدايتهم نوع خاصّ من الهداية لا ترتفع عن موردها ، وهو تعالى حافظها أن تزول عمّا بين الناس ، كما يشير إليه قوله : فَقَدْ وَكَّلْنا . ولنرجع إلى بدء الكلام : فقوله تعالى : وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ « 5 » يدلّ على بقاء الإمامة - التي هي الهداية - في عقب إبراهيم - عليه السلام - ، فقوله عليه السلام في الرواية : « يعني بذلك الإمامة جعلها في عقب الحسين إلى يوم
--> ( 1 ) . الفاتحة ( 1 ) : 6 . ( 2 ) . الأنبياء ( 21 ) : 73 . ( 3 ) . الشورى ( 42 ) : 52 . ( 4 ) . الأنعام ( 6 ) : 89 . ( 5 ) . الزخرف ( 43 ) : 28 .