السيد محمدحسين الطباطبائي

191

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

السعادة وسبيل الشقاوة ، وقال تعالى أيضا : يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ « 1 » : وسيجيء تفسيره بالإمام الحقّ ، دون كتاب الأعمال ، فالإمام هو الذي يسوق الناس إلى اللّه تعالى في ظاهر هذه الدنيا وباطنها ويوم تبلى السرائر . والآية تفيد - مع ذلك - أنّ الإمام الحقّ لا يخلو عنه عصر من الأعصار وزمان من الأزمنة ، حيث عبّر « بأناس » وأضاف الإمام إليهم ، هذا . ثمّ إنّ هذا المعنى - على عظمته وشرافته لا يقوم إلّا بمن كان سعيد الذات بنفسه إذ الذي ربّما تلبّس ذاته بالظلم والشقاء ، فإنّما سعادته بهداية من غيره ، وقد قال سبحانه : أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى « 2 » والآية تقابل بين الهادي إلى الحقّ وغير المهتدي إلّا بغيره ، فالهادي إلى الحقّ يجب أن يكون مهتديا بذاته ، والمهتدي بغيره لا يكون هاديا إلى الحقّ البتّة ، فافهم . ومن هنا يتّضح أنّ المراد بالظالمين في قوله : قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ مطلق من صدر عنه ظلم ما - من شرك أو معصية - وإن كان في برهة من عمره ثمّ تاب وصلح . وقد سئل بعض أساتيذنا - رضي اللّه عنه - عن تقريب دلالة الآية على عصمة الإمام ، فقال : إنّ الناس - بحسب القسمة العقليّة - أربعة أقسام : من كان ظالما في جميع عمره ، ومن ليس بظالم في جميع عمره ، ومن هو ظالم في أوّل عمره دون آخره ، وبالعكس ؛ وإبراهيم - عليه السلام - أجلّ شأنا من أن يسأل الإمامة لمن كان من ذريّته من القسم الأوّل أو الثالث ، فبقي قسمان ، وقد نفى اللّه سبحانه

--> ( 1 ) . الإسراء ( 17 ) : 71 . ( 2 ) . يونس ( 10 ) : 35 .