الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

98

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

[ المائدة : 18 ] ، وأنهم من أهل الجنة على الخصوص بطريق النعت والمكابرة ، ولذلك لم يتمنوا الموت . وقد روى عنه صلى اللّه عليه وسلم : « أنهم لو تمنوا الموت ، لغض كل إنسان بريقه ، فمات مكانه ، وما بقي على وجه الأرض يهودي » ، والغصة : الشجى ، وهو ما تعلق بالحق من العظم ونحوه ، ولم ينزل إلى الجوف ، والمعنى : لا يقدر على أن يبتلع ريقه فيموت في مكانه . من دلائل النبوة المحمدية : وهذه الجملة وهي قوله سبحانه : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [ البقرة : 95 ] إخبار بالغيب ، فإن عدم تمنيهم في المستقبل ، وهو غيب لا يعلم بالحس ، ولا ببديهة العقل ، ولم ينصب عليه دليل أيضا ، فكانت الآية من المعجزات الدالة على حقية رسالة سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه لما أخبر اللّه تعالى أنهم لا يتمنون الموت أبدا ، كان الأمر كما قال ، مع أن تكذيبه ، عليه السلام ، أهم الأمور عندهم ، وأن ما يدعوهم إليه ممكن متوفر بالنسبة إليهم ، وأن قولهم : تمنينا الموت ، سهل وغير متعسر عليهم ، فلو قال أحد منهم ، لظهر كذبه ، عليه السلام ، فيما أخبر به عن اللّه تعالى ، ولتبين بذلك كذبه في دعوى الرسالة أيضا ، ومع ذلك امتنعوا من أن يقولوا ذلك ، وكان الأمر كما قال ، فعلم بذلك أنه ، عليه السلام ، إنما علم ذلك ، وأخبر به ، بأن أوحى إليه من عند اللّه تعالى ، وأنه رسول حقا . هذا وقد جاء في الشفا للقاضي عياض حسبما نقله صاحب تفسير الجواهر الحسان عند هذه الآية ما نصه : ومن الوجوه البينة في إعجاز القرآن آي وردت بتعجيز قوم في قضايا وإعلامهم أنهم لا يفعلونها ، فما فعلوا ولا قدروا على ذلك ، كقوله تعالى لليهود : قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ . . . الآية . قال أبو إسحاق الزجاج : في هذه الآية أعظم حجة ، وأظهر دلالة على صحة الرسالة ؛ لأنه قال لهم : فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ [ البقرة : 94 ] ، وأعلمهم أنهم لن يتمنوه أبدا ، فلم يتمنه واحد منهم . وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « والذي نفسي بيده ، لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه » ، يعنى يموت مكانه . قال أبو محمد الأصيلى : من أعجب أمرهم أنه لا توجد منهم جماعة ولا واحد من يوم أمر اللّه تعالى نبيه بذلك يقدم عليه ، ولا يجيب إليه ، وهذا موجود مشاهد لمن أراد أن يمتحنهم . المراد بتمنى الموت :