الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي
83
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن
الوجه الأول : صحة الاستثناء منها ، وقد تقرر أن الاستثناء لا يكون إلا من العام ؛ لأنه يخرج ما لولاه لدخل ، فلو قلت : رأيت الناس ، لصح استثناء كل واحد من أفراد الناس من الناس ، ولو قلت : كلمت القوم ، لصح استثناء كل واحد من أفراد القوم من القوم ، قال تعالى : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ [ الحجر : 42 ] ، فإنه استثنى من الجمع المضاف إلى المعرفة ، فعلم أنه للعموم كالجمع المحلى بالألف واللام . الوجه الثاني : أنه يصح تأكيدها بما يفيد العموم ، كقوله سبحانه : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ الحجر : 30 ] ، والتأكيد تقرير ما يفيده المتبوع ، فلو لم يكن لفظ الْمَلائِكَةُ للعموم لما كان قوله : كُلُّهُمْ تأكيدا له . الوجه الثالث : استدلال الصحابة بعمومها من غير نكير ، فإنه لما وقع الاختلاف بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أمر الخلافة ، فقال الأنصار : منا أمير ، ومنكم أمير ، تمسك أبو بكر ، رضى اللّه تعالى عنه ، بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « الأئمة من قريش » ، ولم ينكره أحد ، يعنى أن جمهور الصحابة ، رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين ، سلموا أن الجمع المعرف بالألف واللام ، وهو لفظ الأئمة الواقع في الحديث يفيد العموم والقصر عليهم . وبناء على هذا فكلمة النَّاسُ في الآية الكريمة تعم الموجودين وقت النزول عموما مستفادا من النظر إلى جانب اللفظ ، واعتبار كونه موضوعا للعموم مع قطع النظر عن القرائن الخارجية ، بخلاف من سيوجد بعد وقت النزول ، فإن لفظ النَّاسُ وإن كان يعمهم أيضا ، إلا أن عمومه ليس بجهة لفظ فقط ، بل بالنظر إلى القرينة الخارجية ، وهو ما تواتر من دينه ، عليه الصلاة والسلام ، أن مقتضى خطابه وأحكامه شامل للقبيلين ، ثابت إلى قيام الساعة ، إلا ما خصه الدليل وأخرجه عن الدخول تحت مقتضى خطابه وأحكامه ممن لا يفهم الخطاب كالصبي ، والمجنون ، والمغمى عليه ، والناسي ، ومن لا يقدر على إتيان المأمور به وترك المنهى عنه . وإنما كان لفظ النَّاسُ في هذه الآية لا يتناول بجهة لفظه من سيوجد بعد وقت الخطاب ؛ لأنه خطاب مشافهة ، فهو لا يتعلق بالمعدوم ، وإنما يتعلق بمن وجد في ذلك العصر ، ولا يثبت الحكم لمن وجد بعدهم إلا بدليل آخر ، نصا كان ، أو إجماعا ، أو قياسا ، فإنا قد عرفنا بالتواتر كما تقدمت الإشارة إليه آنفا أن الخطابات المتعلقة بالموجودين في عصر النبوّة ثابتة في حق من سيوجد بعد ذلك إلى قيام الساعة .