الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

81

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

آدم تذكيرا لهم بأعظم نعمه ؛ ليستدلوا به على وحدانية المنعم من حيث إنه لا يقدر عليه غيره ، فإن تذكير النعمة يوجب المحبة ، وترك المنازعة ، وحصول الانقياد ، ويدعو إلى مقابلتها بالشكر لمنعمها . وتخصيص نعمة الوجود ، وما تتوقف عليه الحياة من المسكن والمعاش لكونها أدعى إلى التفكير في أن هذه النعم المخلوقة لا يقدر على إيجاد شئ منها إلا خالق ليس كمثله شئ ، حتى يتيقنوا بأن ربهم إله واحد منزه عن الشركاء والأنداد ، ولا يجعلوا شيئا من المخلوقات ندا له ، وهم يعلمون أن شيئا منها لا يقدر على نحو ما هو قادر عليه . أما الثاني : وهو نبوّة محمد صلى اللّه عليه وسلم : فقد أفصح له سبحانه بقوله : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا [ البقرة : 23 ] ، ففي هذه الآية الكريمة احتجاج قائم على نفى الريب عن القرآن ، وهو يتضمن في الوقت نفسه الاحتجاج على صدق محمد صلى اللّه عليه وسلم فيما ادعاه من النبوّة ؛ لأن حقيقة القرآن تستلزم ذلك ، فكانت هذه الآية من دلائل النبوّة بهذا الاعتبار . والآية تعلم الكافة بنبوّة سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم من حيث القرآن المعجز بفصاحته وإفحامه من طولب بمعارضته ، إلا أنهم لقصور نظرهم لم يتفطنوا لإعجازه ، وقالوا : إنه مختلق مفترى ، ويبعد كونه كلام اللّه تعالى ؛ لأنه لو كان من عند اللّه تعالى ، لأنزل جملة واحدة مخالفا ما يكون من عند الناس ؛ لأن ما يوجد عندهم من الكلام المنظوم والمنثور إنما يوجد مفرقا منجما حينا بعد حين ، شيئا بعد شئ ، حسبما يعنّ لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة . فلما رأوا القرآن العظيم هكذا نجوما ، سورة بعد سورة ، وآيات بعد آيات ، حسب النوازل ، وكذا الحوادث ، قالوا : هذا لا يشبه كلام اللّه تعالى ، وإنا لفى شك منه مريب ؛ لأنه لو كان كلام اللّه تعالى لأنزله جملة واحدة على خلاف عادة الناس ، كما حكى اللّه تعالى عنهم بقوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [ الفرقان : 32 ] ، فأنزل اللّه تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ . . . [ البقرة : 23 ] الآية ، أي إن ارتبتم في هذا الذي نزل على التدريج ، فهاتوا أنتم نجما من نجومه ، فإنه أيسر عليكم من أن ينزل دفعة ، فيتحدى بالمجموع ، فيكون التحدي حينئذ بكل القرآن لا ببعضه كما