الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي
71
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن
يَعْلَمُونَ [ النحل : 38 ] ، أنهم يبعثون ، إما لعدم علمهم بأن البعث من مواجب الحكمة التي جرت عليها عادته سبحانه بمراعاتها ، وإما لقصر نظرهم على المألوف حين يشاهدون الميت يمكث مدة مديدة ، وأحقابا طويلة لا تطرأ عليه حياة ، فيتوهمون امتناع البعث ، ثم بين سبحانه الحكمة في البعث بقوله : لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ [ النحل : 39 ] ، وذكر سبحانه إمكانه ، وأن مألوفهم وما يشاهدون من عدم طريان الحياة على الميت في أزمان متطاولة أمر عادى لا يتنافى مع قدرة القادر ، وذلك في قوله تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : 40 ] . وإيضاح ذلك وتفصيله كما يلي : حكمة البعث : إن الحياة كما هو مشاهد تجمع بين الحق والباطل ، والعدل والظلم ، والإنصاف والجور ، فإذا لم يكن للمغلوب أمل يحتمى به ، ويعيش عليه ، في أنه سينتصر يوما ، وأنه سيأخذ حقه حتما ، كان ذلك قضاء على وجوده ، وقتلا لحياته ، وهذا ما يأباه المنطق الصحيح والعقل السليم ، فضلا عن الحكمة الإلهية . وإذا لم يكن لذوي الحق والخير وأولى الفضيلة والكرم أمل في أن يحسب لهم هذا ويجازون عليه ، انعدم الحافز على الخير ، وبطل الداعي إلى المعروف ، وكانت حياة تعسة مرذولة تأباها الحيوانية المحضة ، فضلا عن الإنسانية الكاملة ، وإذن فلا بد من يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [ آل عمران : 30 ] . فعلى الماديين أن ينظروا في هذا نظر استدلال واعتبار ، وأن يتأملوا عن فكر واسترشاد . إمكان البعث : وهو كما تقدم ذكره : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : 40 ] ، فالمقصود كما قرره العلماء بيان سهولة خلق الإنسان عليه سبحانه ، وأنه متى أراد الشيء كان ، فمثل اللّه تعالى تكوينه للمكونات بمجرد تعلق إرادته من غير توقف وامتناع ، بأمر الآمر المطاع إذا أمر المأمور المطيع المسارع في الامتثال ، فعبر عن سرعة تكوينه على الوجه المذكور بالأمر المستلزم للامتثال ، فإنه تعالى لو أراد خلق الدنيا والآخرة بما فيهما في قدر لمحة بصر ما عاقه شئ . والمعنى أن إيجاد كل مقدور على اللّه تعالى بهذه السهولة ، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو أهون من الإبداء بالنسبة إلى عقولنا .