الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

64

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

لا يستطيعون لها نكرانا . وما أجمل قول القائل : إذا طاب أصل المرء طابت فروعه * ومن عجب جادت يد الشوك بالورد وقد يخبث الفرع الذي طاب أصله * ليظهر سر اللّه في العكس والطرد 3 - الأحمق المرزوق : هو آية ظاهرة على تدبير اللّه تعالى ، وحكمته ، وتفرده بالملك والسلطان ، فليس غنى هذا المكثر الأحمق من كياسته ، ووفرة عقله ، فهو خلو من ذلك ، ولا بكثرة سعيه واجتهاده ، فهو خامل غير مصيب في رأيه ، كما أن فقر العاقل ليس من بلادته ، ونقصان عقله ، وقلة سعيه ، فإنك ترى أكيس الناس وأعقلهم يفنى عمره في طلب القليل من الدنيا ، ولا ينال ذلك ، وترى أجهل الناس وأخسهم عقلا تنفتح عليه الدنيا ، فلما رأينا الأعقل الأفضل أقل نصيبا ، والآخر الأجهل أوفر نصيبا ، علمنا أن ذلك بسبب قسمة القسام الذي يفعل ما يشاء ، كما قال تعالى : نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [ الزخرف : 32 ] . وما أجمل قول من قال : كم عالم يسكن بيتا بالكرى « 1 » * وجاهل يملك دورا وقرى لما قرأنا قوله سبحانه * نحن قسمنا بينهم زال المرا وهكذا تجاوب المؤمنون الصادقون مع هذا التدبير الإلهى العظيم ، وهذا الوضع الرباني الحكيم . ومن ذلك قول الإمام الشافعي ، رضى اللّه عنه : ومن الدليل على القضاء وحكمه * بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق وقول سفيان بن عيينة : كم من قوى قوى في تقلبه * مهذب الرأي عنه الرزق ينحرف وكم ضعيف ضعيف في تقلبه * كأنه من خليج البحر يغترف هذا دليل على أن الإله له * في الخلق سر ليس ينكشف أما من لم يفطن لهذه الحكمة ، وغابت عنه تلك الدقيقة ، فقد تبرموا وضجروا ، حتى قال قائلهم : كم عالم ضاقت مذاهبه * وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذي ترك الأوهام حائرة * وصير العالم النحرير زنديقا

--> ( 1 ) بالإيجار .