الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

60

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

مختلفة مُتَجاوِراتٌ ، أي متقاربات يقرب بعضها من بعض ، واحدة طينية ، والأخرى سبخة لا تنبت ، وأخرى صالحة للزرع لا للشجر ، وأخرى بالعكس ، وأخرى قليلة الريع ، وأخرى كثيرة . ولولا تخصيص قادر موقع لأفعاله على وجه دون وجه ، لم تكن كذلك ؛ لاشتراك تلك القطع في الطبيعة الأرضية ، وما يلزمها ويعرض لها من الأسباب السماوية ، فليست هذه القطع الأرضية في خواصها وأحوالها مستندة إلى الاتصالات الفلكية والحركات الكونية ؛ لأن قطع الأرض مختلفة في صفاتها ، مع اشتراكها في الطبيعة الأرضية ، وكونها متجاورة متقابلة ، بحيث يكون تأثير الشمس وسائر الكواكب فيها على السوية . ثم قال سبحانه وتعالى : وَجَنَّاتٌ [ الرعد : 4 ] ، أي بساتين فيها أنواع الأشجار المختلفة ، مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ [ الرعد : 4 ] ، جمع صنو ، وهي النخلات ، يجمعها أصل واحد ، وتتشعب فروعها ، وَغَيْرُ صِنْوانٍ [ الرعد : 4 ] ، أي متفرقات مختلفة الأصول . ولما كان الماء بمنزلة الأب ، والأرض بمنزلة الأم ، وكان الاختلاف مع اتحاد الأم والأب ، أعجب وأدل على الإسناد إلى الواحد المسبب ، قال تعالى : يُسْقى [ الرعد : 4 ] ، أي الجنات بما فيها ، بِماءٍ واحِدٍ [ الرعد : 4 ] ، فتخرج أغصانها وثمراتها في وقت معلوم ، وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [ الرعد : 4 ] ، أي في الطعم ما بين حلو وحامض ، وفي الشكل ، والرائحة ، والمنفعة . . . إلخ . وذلك مما يدل على القادر الفاعل المختار ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ الرعد : 4 ] . دلائل من سورة النحل : وننتقل إلى سورة النحل ، فنأتى منها ما يقوى المراد ، ويزيد في إيضاحه ، قال تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [ النحل : 10 ، 11 ] . من المعلوم والمشاهد أن النبات نوعان : أحدهما : معد لرعى الأنعام ، وقد ذكره تعالى بقوله : تُسِيمُونَ . وثانيهما : مخلوق لأن يكون غذاء للإنسان ، وهو المراد بقوله تعالى : يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ .