الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

57

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

وقوله : بِغَيْرِ عَمَدٍ ، أي رفعها خالية عن عمد مرئية ، وانتفاء العمد المرئية يحتمل أن يكون لانتفاء العمد والرؤية جميعا ، أي لا عمد لها فلا ترى ، ويحتمل أن يكون الانتفاء للرؤية فقط بأن يكون لها عمد غير مرئى ، وهو القدرة ، فإنه تعالى يمسكها مرفوعة بقدرته ، فكأنها عماد لها ، فقوله : بِغَيْرِ عَمَدٍ معناه بغير عمد مرئية ، فكلمة النفي وإن كانت متقدمة في الذكر ، فهي متأخرة في المعنى ، وكونها مرفوعة بعماد غير مرئى مثل كونها مرفوعة بغير عماد أصلا في كون ذلك الرفع عجيبا خارجا عن دائرة العقل والخيال ، فإنا لا نتعقل ارتفاع السقف الواسع الرفيع السميك بغير عمد مرئية ، ونظير الآية في الاحتمالين قولك : ما رأيت رجلا صالحا ، فإن صدقه يحتمل أن يكون لانتفاء الرجل والصلاح جميعا أو لانتفاء الصلاح وحده . ويصح أن يكون قوله : تَرَوْنَها استئنافا ، والضمير فيه يعود على السماوات بعد أن كان راجعا إلى العمد فيما تقدم ، والجملة لا محل لها من الإعراب ، كأنه قيل : ما الدليل على أن السماوات مرفوعة بغير عمد ، فأجيب بأنكم ترونها غير معمودة ، أو فاستشهد على كونها مرفوعة بغير عمد برؤية الناس لها كذلك . الدليل الثاني : قوله سبحانه : وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى [ الرعد : 2 ] : والمعنى أنه سبحانه ذلل الشمس والقمر لمنافع خلقه مقهورين ، يجريان على ما يريده سبحانه ، كل منهما في فلكه إلى وقت معلوم ، وهو فناء الدنيا وزوالها ، فعند ذلك الوقت تنقطع هذه الحركات ، وتبطل تلك التسخيرات ، كما وصف اللّه تعالى ذلك في قوله : إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ [ التكوير : 1 ، 2 ] ، وقوله : إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ [ الانشقاق : 1 ] ، وقوله : إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ [ الانفطار : 1 ] . ويصح أن يكون معنى الأجل المسمى هو المدة المعينة لكل منهما التي يتم فيها أدواره في منازله المخصصة له ، والتي ينجم عنها الشهر بالنسبة للقمر ، والسنة بالنسبة للشمس ، على ما يقوله أهل الفلك . ووجه الدلالة على المراد في هذا الشأن أن اختصاصهما بالحركة الدائمة على وجه مخصوص من البطء والسرعة ، ونسق معين ، مع كون الأجسام متماثلة ، لا بدّ له من مخصص ، كما تقدم ذكره عند الدليل السابق . هذا ولما كان خلق السماوات والأرض غيبا لتقدمه ، وكان مقصودنا إلزام الماديين بما