الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي
54
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن
يجتمع مع اللابس ، كان لا بدّ من تقدير مضاف ، أي يغشى الليل مكان النهار ، ومكان النهار هو الجو ، فيكون الجو هو الذي يلبس ظلمة الليل ويجتمع معها ، ولا منافاة في ذلك . أما الاستعارة ، فهي أن يقال : شبه إحداث الظلمة في الجو الذي هو مكان الضوء بإغشائها إياه ، وتغطيته بها بجامع مطلق الستر في كل ، واستعير الإغشاء بمعنى إلباس الظلمة للجو ، لإحداث الظلمة به ، ثم اشتق منه يغشى بمعنى يلبس على طريق الاستعارة التبعية . وإنما لم يذكر عكسه : ويغشى النهار الليل ؛ للعلم به من باب الاكتفاء بذكر أحد الضدين ، كما في قوله تعالى : سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : 81 ] ، أي والبرد . وهذا الاكتفاء والحذف في هذه الآية يشبه الاكتفاء والحذف في سورة يس : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ [ يس : 37 ] ، فإنه صرح بآية الليل دون آية النهار ، مع أن السياق يرشد حتما إلى أن التقدير : والنهار نسلخ منه الليل ، فإذا هم مبصرون . وفي نَسْلَخُ استعارة تصريحية تبعية ، وذلك أنه شبه انكشاف ظلمة الليل بكشط الجلد من الشاة ، والجامع ما يعقل من ترتب أحدهما على الآخر ، واستعير كشط الجلد ، أي سلخه ، لانكشاف ظلمة الليل ، واشتق منه نَسْلَخُ بمعنى نكشف ، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية . والعجيب في أمر الليل والنهار أن كلا منهما في مدته وما حدد له من زمن ، لا يغلب أحدهما الآخر ، فكل منهما مقهور في خصائصه ومميزاته بإرادة الفاعل المختار ، وقدرة القادر الذي لا يعجزه شئ في الأرض ولا في السماء ، وهذا ما يعطيه قوله جل جلاله في سورة يس أيضا : لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [ يس : 40 ] . فالشمس التي هي آية لا ينبغي لها ، أي لا يسهل عليها ، ما دام هذا الكون موجودا على ذلك الترتيب والنظام البديع ، أن تدرك القمر فتجتمع معه في الليل ، فما النهار سابق الليل ، ولا الليل سابق النهار ، أي فلا يأتي أحدهما قبل انقضاء الآخر ، فالآية من الاحتباك ؛ لأنه نفى أولا إدراك الشمس للقمر ، ففيه دليل على ما حذف من الثاني من