الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

41

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

وقد خص هذا بالذكر بعد دخوله في قوله : يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [ البقرة : 3 ] ، لمزيد العناية به ، ورفعة شأنه ، وقد بينت الآية بعد ذلك في قوله تعالى : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ البقرة : 5 ] ، أن هؤلاء المؤمنين بهذه المطالب الثلاثة ، هم المتمكنون من الهدى الإلهى ، وأنهم دون غيرهم المفلحون ، الظافرون بكل محبوب ، الناجون من كل مكروه . وقد سلك القرآن الكريم في إثبات هذه المطالب عليهم ، وإلزامهم بها ، طريق النظر والفكر ، فبه يتوصل إلى العلوم ، ويهتدى إلى الحقيقة . قال جمال الدين الخوارزمي فيما نقله عنه العلامة القاسمي : النظر هو قانون الاستدلال في الأمور ، وقاضى الصدق ، وبرهان الشريعة ، وترجمان الإيمان ، وحجة الأنبياء ، ومحجة الأولياء ، والسيف القاطع على الأعداء ، وهو رأس السعادة في الدين ، فأساس التدبير ، وصحة الاعتقاد ، وخلاصة التوحيد في ناصية النظر ، كما أن أساس الكفر والشرك في جانب التقليد . وما دام في العالم حق وباطل ، ولكل منهما مشايعون ، فلا يتصور معرفة الحق من الباطل إلا بالنظر ، والإنسان خلق كامل الرأي ، عظيم الفكر ، دراكا للمعاني ، وأعطى الإدراك وهو العقل ، فإذا استعمله على وجهه ، وقع عنده العلم للمنظور فيه ، كما يقع العلم بالمدركات عند الإدراك ، فعند فتح الأجفان يبصر الأشياء ، وعند الاستماع يسمع ، وعند استعمال اللسان يتكلم ، كذلك عند النظر يعلم . فنحن معشر المسلمين نعرف الحق من الباطل بالنظر ، ونعرف الكفر من الإيمان بالنظر ، ونعرف اللّه ورسوله بالنظر ، ونعرف أن التقليد بلا برهان باطل ، ولا معصوم إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كل ذلك بالنظر ، وبالجملة فالناس من عهد آدم ، عليه السلام ، إلى منقرض العالم ، إذا نزلت بهم نازلة يرجعون إلى النظر والفكر ، سواء كان في أمر الدين أو الدنيا ، ويقول بعضهم لبعض : انظروا وتفكروا ، فلولا أنه طريق واضح ، ومنهج لائح ، لما فزعوا إليه . أ . ه . بتصرف . ونحن نسير مع القرآن الكريم في إثبات وبيان هذه المطالب الإيمانية الثلاثة : المطلب الأول : وجود الصانع وتوحيده : الآيات في هذا المطلب كثيرة جدا ، فهي أكثر من أوراق الأشجار ، كما أنها أجلى من ضياء النهار ، وسوف نقتصر من هذه الكثرة على النذر اليسير ؛ لاقتضاء المقام ذلك ،