الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي
133
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن
بأقصى وأشد أنواع العقوبات ، وهم بهذا يتساوون مع المشركين الماديين في أن اللّه تعالى طالبهم بالإيمان بالقرآن ، كذلك قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [ النساء : 47 ] . وقال جل ذكره في سورة التغابن بعد أن حكى عن المشركين أنهم ينكرون البعث : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا [ التغابن : 8 ] ، يعنى فالمليّون والماديون متساوون في التكليف من اللّه تعالى بالإيمان بالقرآن ، ولذلك أمر اللّه تعالى نبيه ، عليه السلام ، أن يوبخ الفريقين على ترك الإيمان به ، فقال تعالى : وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ [ آل عمران : 20 ] . وقد جعل اللّه تعالى أهل الكتاب في عداد من لا يؤمن باللّه ولا باليوم الآخر ، قال تعالى : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [ التوبة : 29 ] . قال سيدي عبد الرحمن الثعالبي الجزائري في تفسيره عند هذه الآية ما نصه : ونفى سبحانه عن أهل الكتاب الإيمان باللّه واليوم الآخر ، حيث تركوا شرع الإسلام ، وأيضا فكانت اعتقاداتهم غير مستقيمة ؛ لأنهم تشعبوا وقالوا : عزير ابن اللّه ، واللّه ثالث ثلاثة ، وغير ذلك ، ولهم أيضا في البعث آراء فاسدة ، كشراء منازل الجنة من الرهبان ، إلى غير ذلك من الهذيان ، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ [ التوبة : 29 ] ، أي لا يطيعون ولا يمتثلون ، ومنه قول عائشة ، رضى اللّه عنها : « وما عقلت أبوى إلا وهما يدينان الدين » ، والدين هنا الشريعة . فصار المعنى : ولا يطيعون ولا يمتثلون شريعة الحق ، وشريعة الحق هي ما جاء به النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنها نسخت جميع الأديان وجميع الشرائع السابقة ، بدليل قوله تعالى بعد ذلك في هذه السورة أيضا : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [ التوبة : 33 ] . فتبين بهذا أن أهل الكتاب ليسوا كالمسلمين سواء بسواء كما ادعى الكاتب ، وإنما هم