الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي
123
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ بأن حاربوا وأبوا أن يقروا بالجزية ، فجادلوهم بالسيف إلى أن يسلموا ، أو يعطوا الجزية ، وقيل : إلا الذين آذوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقيل : إلا الذين أثبتوا الولد والشريك ، والاستثناء في قوله : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا متصل ، وإنما فسر الظلم في الآية بمحاربتهم المؤمنين حتى لا يقال : كيف قال تعالى : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مع أن أهل الكتاب جميعا ظالمون ؛ لأنهم كافرون ، قال تعالى : وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ البقرة : 254 ] . فالآية الكريمة شروع في بيان إرشاد أهل الكتاب ودعوتهم إلى الإسلام بعد بيان إرشاد أهل الشرك في قوله تعالى قبل ذلك : مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً [ العنكبوت : 41 ] الآية ، فمجادلة أهل الكتاب بالحسنى معناه دعوتهم إلى الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وما جاء به ؛ لأن هذا هو المتعين المفروض الذي يلزم كل مكلف من المسلمين في حدود الاستطاعة والقدرة كما هو واضح ، وما أبدع قوله في هذه الآية : وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ بعد قوله سبحانه فيها : وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ . قال الخطيب الشربيني عندها ما نصه : أي خاضعون منقادون أتم انقياد فيما يأمرنا به بعد الأصول من الفروع ، سواء كانت موافقة لفروعكم ، كالتوجه بالصلاة إلى بيت المقدس ، أو ناسخة كالتوجه إلى الكعبة ، ولا نتخذ الأحبار والرهبان أربابا من دون اللّه لنأخذ ما يشرعونه لنا مخالفا لكتابه وسنة نبيه صلى اللّه عليه وسلم . انتهى هذا هو معنى الآية ، وهذا هو ما يفهم منها على مقتضى الموازين الصحيحة والضوابط الدقيقة ، هذا هو ما تعطيه الآية على وفق ما قاله أئمة الهدى والراسخون في التحقيق والمعرفة . قلنا فيما تقدم : إن الآية في دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام ، والكاتب يقول : إن المجادلة للإشعار أن المسلم في دينه أخو اليهودي والمسيحي في دينهما . ولا ندري من أين جاءت هذه الأخوة وهم يتجهون إلى بيت المقدس ، ونحن نتوجه إلى الكعبة ، وصلاتنا تخالف صلاتهم ، وصيامنا يخالف صيامهم ، إلى غير ذلك . وقد نطق القرآن بكفرهم كما يصرح به قوله : يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ، اللهم إلا إذا أمكن أن يقال في المتضادات : إن بينها أخوة ، وفي المتباينات : إن فيها صلة ورابطة .