الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

110

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

أن من كان له حقيقة يشارك بها غيره ، لا بدّ أن يكون له ما يتميز به عن غيره ، فيتركب مما به الاشتراك ، وما به الامتياز ، والتركيب ينافي الإلهية ، فعيسى ، عليه السلام ، باعتبار ذاته لا يملك شيئا نفعا ولا ضرا ، وهو بهذا الاعتبار يشترك مع آحاد كل من لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ، فإذا ما انضم إليه خصيصة تميزه عن بقية آحاد هذه الحقيقة ، بأن قدر بأقدار اللّه تعالى على جلب نفع ، أو دفع ضر ، كان مركبا ، والتركيب ينافي الإلهية كما قدمنا آنفا . غلو اليهود والنصارى : ثم يقول اللّه تعالى بعد ذلك خطابا لأهل الكتاب عامة من يهود ونصارى ، كما هو رأى الأكثر : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [ المائدة : 77 ] ، الغلو نقيض التقصير . وقوله تعالى : غَيْرَ الْحَقِّ يفيد أن الغلو في الدين نوعان : غلو حق ، وهو أن يجتهد في تحصيل حججه ، كما يفعل المتكلمون ، وغلو باطل ، وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة ، فيرفعوا عيسى ، عليه السلام ، إلى أن يدّعوا له الإلهية . وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ في غلوهم ، وهم أسلافهم الذين قد ضلوا بتماديهم في الباطل من التثليث وغيره ، حتى ظن حقا ضَلُّوا أي بعد مبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ، أي طريق الحق ، وهو الإسلام ، والسواء في الأصل هو الوسط ، والأهواء هاهنا المذاهب التي تدعوا إليها الشهوة دون الحجة . قال أبو عبيد : لم يذكر الهوى إلا في موضع الشر ، لا يقال : فلان يهوى الخير ، إنما يقال : يريد الخير ويحبه ، وقيل : سمى الهوى هوى ؛ لأنه يهوى بصاحبه إلى النار ، وقال رجل لابن عباس : الحمد للّه الذي جعل هواي على هواك ، فقال : كل هوى ضلالة . وبعد فما أصدق هذه الحقائق القرآنية ، وما أعظم هذه الآيات التنزيلية ، وما أشد إلزامها لليهود والنصارى في انحرافهم عن التوحيد وبعدهم عما جاء به القرآن الكريم من العقيدة الحقة ، والأعمال التشريعية الصالحة ، وما أصدق قول اللّه تعالى : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [ التوبة : 33 ] .