الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

46

نفحات القرآن

علمي وفكري باعتباره منافياً للدين ، فأسسوا محاكم سميت فيما بعد ب « انكيزيسيون » « محاكم تفتيش العقائد » ، وحكموا على أعداد كبيرة في هذه المحاكم بالموت ، فقطعوا رؤوس بعضهم ، وأحرقوا البعض الآخر بالنّار وهم أحياء ، أو أنّهم حكموا عليهم بالسجن ، ومن بينهم عدد من العلماء الطبيعيين المعروفين . وكلُّ الملوك كانوا يحسبون لرجال الدّين هؤلاء حساباً ويطيعون أوامرهم . بالإضافة إلى الأموال الطائلة التي أخذوها وعاشوا في نعيم لا يوصف . وقد أثارت كل هذه الأمور الشعب ضدهم ، خصوصاً علماء العلوم الطبيعية ، حيث إنّهم وقفوا في وجوههم بقوة ، وعمّ شعار « فصل الدين عن السياسة » من جهة ، والتنافي بين العلم والدين ، من جهة أخرى ، كلَّ مكان ، ثم وبانتصار هذا الجناح ، انسحبت الكنيسة ورجالها من المجتمع والحكومة ، والدولة الوحيدة التي بقيت بيد رجال الكنيسة من تلك الإمبراطورية الواسعة هي دولة الفاتيكان الصغيرة التي لا تتجاوز الكيلو متر المربع الواحد أي بمساحة قرية صغيرة « 1 » . كانت هذه كلها ، تطورات قد حدثت في أوروبا وخلال تلك الظروف الخاصة . ثم إنّ فريقاً من الدول الإسلامية حينما ذهب إلى الغرب للدراسة أو التجارة أو السياحة جاء بمثل هذه الأفكار معه كهدية من الغرب للشرق الإسلامي وهي لزوم فصل الدين عن السياسة ، دون الوقوف على البون الشاسع بين « الإسلام » وبين « المسيحية » المحرّفة ، وبدون التأمل في التفاوت بين الثقافة الإسلامية الحاكمة على هذه الدول وثقافة الكنيسة . ومع الأسف فقد رضخت بعض الدول الإسلامية لهذه المؤامرة الاعلامية واعتبرتها أصلًا لا يمكن التنازل عنه ( لا يخفى أنّ الدول الغربية التي كانت ولا تزال تخاف قوّة

--> ( 1 ) ذكرت مساحة الفاتيكان في قاموس دهخدا وقاموس معين بأنّها 44 هكتاراً ( أقل من نصف كم ) ، وبلغ عدد نفوسها حسب بعض المصادر 525 نفراً ! وفي البعض الآخر 700 نفر ، وفي البعض الآخر ألف نفر ! وفي الحقيقة فإنّ هذه الدولة عبارة عن مجموعة من الكنائس والأبنية المتعلقة بها ، وفيها محطة قطار ، دائرة البريد ، محطة الإذاعة ، ولها قانون خاص بها وحكومة مستقلة ، وهناك حوالي خمسين دولة لها ممثلين لدى البابا . والملفت للنظر أنّ هذا البلد يقع في قلب روما عاصمة إيطاليا ( قاموس دهخدا ، قاموس معين ، والمنجد في الاعلام ) .