الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

34

نفحات القرآن

وأمّا الحكومة الديمقراطية الواقعية والّتي تمثل أكثرية الشعب ( إذا وجدت حكومة كهذة في العالم ) فهي كذلك ، حيث تنطوي على مساوىء كثيرة ، بل وحتى تمارس الظلم والاعتداء ، وذلك لأمور منها : أولًا : إنّ الكثير من النّاس في أغلب الدول التي تكون حكوماتها واقعاً أو ظاهراً من هذا النوع ، لا يشاركون بصورة عملية في الانتخابات فيها ، إذ ربّما شارك ستون أو سبعون في المئة بل وأقل من ذلك أيضاً ؛ ومع ذلك فإننا نرى ان نتائجها تشير إلى أنّ المرشّح الفلاني قد حاز على أكثرية الأصوات ، إنّها لم تكن أكثرية في المجتمع . ( مثلًا نسبة 31 % مقابل 29 % من مجموع 60 % من الأفراد المشتركين في تلك الانتخابات ) . وفي هذه الحالة ، توجد مصاديق عديدة فإنّ الأقلية من الناس تتسلّم مقاليد الأمور ، بينما ترضخ الأكثرية تحت حكمهم وسيطرتهم ، وبديهيّ أن ينظّموا كل القوانين حسب أهوائهم ومصالحهم ، وهذا هو الظلم الفاحش بعينه . ثانياً : لو فرضنا أن جميع أفراد الشعب الذين لهم حقّ المشاركة في الانتخابات قد اشتركوا فيها ( طبعاً إنّ مثل هذه الفرضية لم تحدث أبداً ) فيمكن أيضاً فوز البعض بأكثرية قليلة وضئيلة ( كأن يكون 51 % في مقابل 49 % أو أكثر أو أقل ) . وهذا أيضاً أحد أنواع ( استبداد الأكثرية ) ضد الأقلية ، ففي دولة يبلغ عدد سكانها 100 مليون نسمة مثلًا تخضع فيه 49 ميلون نسمة لسلطة 51 مليون شخص ، فكلّ شيء فيالمجتمع يسير وِفقاً لمصلحة الأكثريّة وقد يكون بضرر الأقليّة ، ولهذا فقد أذعن كثير من المفكرين إلى أنّ حكومة الأكثرية هي نوع من الحكومة الظالمة الّتي لابدّ منها ، لأنّه لا حيلة لهم ولا بديل سواها . ثالثاً : وبعيداً عن ذلك وعلى فرض أنّ الحكومة الديمقراطية لا تنطوي على أيّ من الإشكالين المذكورين فإنّها حكومة تتبعُ رغبات الأكثرية من الشعب ، ونحن نعلم أنّه يحدث أحياناً أن ينحرف أكثرية الشعب نتيجة للمستوى العلمي والثقافي المتدنّي ، أو في هذه الحالة يتحتَّم على العلماء والمتقفين النهوض ومحاربة هذه الآفة الخطيرة ، بينما لا نرى