الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
15
نفحات القرآن
ضرورة الحكومة في الرويات الإسلامية : تُعَدُّ مسألة ضرورة الحكومة ذات أهميّة وصدى واسع في الروايات الإسلامية ، وقد بيّنت تلك الروايات أنّه لا يمكن للناس العيش دون وجود الحكومة ، وأنَّ وجود حكومة وإن كانت ظالمة خير من الفوضى في غياب الحكومة . وهنا لنرى نموذجاً من تلك الروايات ذات المعنى المذكور : 1 - عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة جواباً على ادّعاء الخوارج حين قالوا : « لا حُكم إلّاللَّه » ، فقال عليه السلام : « كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ » ثم استطرد قائلًا : « نَعَمْ إِنَّهُ لا حُكْمَ إِلَّا للَّهِ وَلكِنَّ هؤُلَاءِ يَقُولُونَ لَاإِمرَةَ إِلَّا للَّهِ ، وإِنَّهُ لَابُدّ لِلنَّاسِ مِن أَمِيرٍ بَرٍّ أَو فَاجِرٍ يَعْمَلُ فِى امْرَتِهِ المُؤمِنُ وَيَسْتَمتِعُ فِيهَا الكَافِرُ ، وَيُبَلِّغُ اللَّهُ فِيهَا الأَجَلَ وَيَجْمَعُ بِهِ الفَيءَ وَيُقَاتَلُ بِهِ العَدُوَّ ، وَتَأمَنُ بِهِ السُّبُلُ وَيُؤخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ القَوِيِّ حَتَّى يَستَرِيحَ بَرٌّ وَيُستَرَاحَ مِن فَاجِرٍ » « 1 » . وبديهيٌّ أنَّ الإمام علياً عليه السلام لم يَقصد من عبارة « أمير بَرّ أو فاجر » أنّ هذين متساويين ، بل قصد به أنّه لابدّ من وجود حاكم عادل وصالح ، وإلّا فوجود حاكم وإن كان ظالماً خيرٌ من الفوضى والشغب ، وعلى كل حال فلا تنفي هذه الحالة الأخيرة الحكم الإلهي الصالح على العالم كلّه ، ذلك أنَّ الحكم يشبه النبوة والقضاء النّابعين من ذات الخالق المقدسة ، ولقد بيّنت هذه العبارة ضمناً الأبعاد المختلفة لفلسفة الحكومة والأدلة الواردة في إثبات ضرورتها ، وسنبحث ذلك بالتفصيل في صفحات قادمة . 2 - أشير في الروايات المعروفة والتي نقلها ( الفضل بن شاذان ) عن الإمام الرضا عليه السلام إلى ثلاث نقاط مهمّة حيث بيّن فيها دلائل وأسباب تعيين ( اولي الأمر ) والحكم في المجتمع . قال الفضل بن شاذان إنّه سمع من الرّضا عليه السلام مرّة بعد مرّة ، أنّه قال : فإنْ قال : فلم جعل أولي الأمر وأمر بطاعتهم ؟ قيل : لعلل كثيرة منها أنّ الخلق كما وقفوا على حد محدود وأمروا ألّا يتعدوا ذلك الحد لما فيه من فسادهم لم يكن يثبت ذلك ، ولا يقوم إلّابأن يجعل عليهم فيه أميناً يمنعهم من
--> ( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة 40 .