الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

36

نفحات القرآن

وفي حديث آخر في الكتاب نفسه ، روي عن أبي ذر أنّه قال : « إنّ خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً مجدع الأطراف » « 1 » . وقد فسّر البعض مجدع الأطراف بمعنى من ولد في بيت غير طاهر وملوث . ومن المسلَّم به أنّ الساحة المقدّسة للنبي صلى الله عليه وآله أطهرُ من أن يأمر خلافاً لمنطق العقل والشرع في الوقت الذي يروى عنه أنّه قال : « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » وأجلى دليل على ابتداع مثل هذه الأحاديث هو أنّ أبا ذر الذي روي عنه الحديث لم يفعل هكذا بشهادة تاريخه ، حتى أنّه قد ضحى بنفسه بسبب اعتراضه على انحراف امراء وحكام عصره ! . وعلى أيّة حال ، من الواضح أنّ النبي صلى الله عليه وآله أسمى من هذه الأقاويل ، فليس من إنسان عاقل ينطق بهذا الكلام ويقول : إنّ الحاكم واجب الطاعة في كل ما يقول ويعمل ، لا سيما وأنّ هذا الحديث : « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » « 2 » مشهورٌ بين علماء المسلمين سواء الشيعة أو السّنة . ولا طاعة لبشرٍ في معصية اللَّه « 3 » . من هنا نستنتج أنّ أصح تفسير للآية هو إطاعة الأئمّة المعصومين عليهم السلام . ويبقى لدينا سؤالان لابدّ من الإجابة عنهما ، وهما : 1 - إذا كان معنى « أولي الأمر » هو الإمام المعصوم ، فهل يتناسب مع كلمة « اولي » التي تفيد الجمع ؟ فباعتقاد الشيعة أنّ الإمام المعصوم واحد لا أكثر في كلّ عصر . وقد اتضح الجواب عن هذا السؤال في البحوث السابقة ، فصحيحٌ أنّ الإمام المعصوم واحدٌ في كل زمن ، ولكن بالنظر لعمومية الآية بالنسبة لكافة الأزمنة ، فإنّ الأئمّة المعصومين بمجموعهم يشكلون مجموعةً ، ونظير هذا المعنى كثير في كلمات العرب ، فمثلًا نقول : السلام عليكم وعلى أرواحكم وأجسادكم . فلا يمكن الاعتراض على هذا السلام ، فكل إنسان لا يمتلك أكثر من روح وجسم ، فلماذا ذكرت الأرواح والأجساد هنا بصيغة

--> ( 1 ) صحيح مسلم ، ج 3 ، ص 1467 ، كتاب الامارة ، باب طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق . ( 2 ) نهج البلاغة ، كلمات القصار ، الكلمة 165 . ( 3 ) تفسير در المنثور ، ج 2 ، ص 177 .