الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

33

نفحات القرآن

« أَطِيعُوا اللّهَ وأَطيعُوا الرَسُولَ وَاولىِ الأَمْرِ مِنكُم » . ( النساء / 59 ) فوجوب إطاعة اللَّه ورسوله صلى الله عليه وآله واضحٌ ومعلوم ، أمّا من هم المقصودون في « اولي الأمر » الذين اعتبرت اطاعتهم بموازاة إطاعة اللَّه ورسوله صلى الله عليه وآله ، فهنالك جدلٌ بين المفسرين . يتفق علماء الشيعة وأتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام أنّ المراد من « اولي الأمر » هم الأئمّة المعصومون عليهم السلام الذين هم قادة المجتمع معنوياً ومادياً في كافة شؤون الحياة ، ولا تشمل غيرهم ، لأنّ الطاعة - بلا قيد أو شرطٍ - الواردة في الآية الكريمة والتي اعتبرت موازية لطاعة اللَّه ورسوله صلى الله عليه وآله لا يمكن تصورها إلّابحقّ الأئمّة المعصومين عليهم السلام ، وأمّا الآخرون الذين تجب طاعتهم فإنّها محدودة بحدود ومقيدة بقيود ، ولا وجود للطاعة المطلقة بشأنهم أبداً ، وهذا الأمر واضحٌ . هذا في الوقت الذي يختلف فيه مفسرو وعلماء أهل السّنة كثيراً في معنى اولي الأمر . فمنهم من فسّرها بمعنى « الصحابة » ، ومنهم ب « قادة الجيش » ، وبعضهم فسّرها ب « الخلفاء الأربعة » . وهم لم يقدموا أيدليل واضح لهذه التفاسير الثلاثة . واعتبرت طائفة أخرى « اولي الأمر » بمعنى العلماء ، مستندين إلى الآية : « وَاذَا جَاءَهُم امرٌ مِّنَ الامنِ اوِ الخَوفِ اذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ الَى الرَّسُولِ وَالَى اولِى الامْرِ مِنْهُم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُم » . ( النساء / 83 ) ولكن نظراً إلى أنّ الآية التي هي محل بحثنا تبحث الطاعة بلا قيد أو شرط ، والآية 83 من سورة النساء تتعلق بالسؤال والتحقيق فإنّها توضح أمرين مختلفين ، ولا يمكن اعتبار كلا الأمرين بمعنى واحد ، فالتحقيق من العالم أمر ، والطاعة بلا قيد أو شرط أمر آخر ، فلا يتصور الثاني إلّابصدد المعصومين ، أمّا الأول فله مفهوم أوسع . وقد أعطى بعض مفسّري أهل السّنة احتمالًا خامساً وهو : أنّ المراد من اولي الأمر هم ممثلو طبقات الناس ، والحكام ، والزعماء ، والعلماء ، وذوو المناصب في جميع شؤون الحياة .